د. علي بن خصيف البلوشي**
يشكل مضيق هرمز أحد أهم المضائق البحرية المستخدمة في الملاحة الدولية، ليس فقط لكونه منفذًا رئيسًا لصادرات النفط والغاز من دول الخليج العربي، وإنما لأنه يمثل نقطة التقاء بين المصالح المختلفة للقوى الإقليمية والدولية. ولذلك، فإن أي تصريحات، أو تحركات، أو توترات قد تؤثر في حرية الملاحة أو سلامة العبور فيه، تنعكس آثارها على الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، واستقرار الأسواق الدولية، فضلًا عن تأثيرها في الأمن والسلم الدوليين.
إلا أن أهمية مضيق هرمز لا تقاس فقط بموقعه الجغرافي، وإنما أيضًا بمركزه القانوني؛ فالمضيق يعد من المضائق الدولية التي تربط بين أجزاء من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة، الأمر الذي يجعل حرية المرور فيه محكومة بقواعد القانون الدولي للبحار، وبصفة خاصة نظام المرور العابر (Transit Passage)، الذي يهدف إلى ضمان استمرار الملاحة الدولية دون تعطيل، مع مراعاة حقوق الدول المشاطئة والتزاماتها في الحفاظ على الأمن والسلامة البحرية.
ومن ثم، فإن أي إجراءات تؤدي إلى تعطيل الملاحة أو إغلاق المضيق تثير إشكالات قانونية معقدة، نظرًا لما قد يترتب عليها من آثار تمس مصالح المجتمع الدولي بأسره، خاصة أن المضيق يعد شريانًا حيويًا لتجارة الطاقة العالمية. وفي المقابل، فإن وجود قوات بحرية أجنبية، أو اتخاذ تدابير أمنية أحادية الجانب، يجب أن يتم في إطار احترام قواعد القانون الدولي، وعدم المساس بسيادة الدول، أو الإخلال بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
وعليه، فإن القانون الدولي قد وضع إطارًا قانونيًا واضحًا لتنظيم الملاحة في المضائق الدولية من خلال اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، التي خصصت الجزء الثالث منها (المواد 34-45) لتنظيم المرور في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وأقر نظام المرور العابر باعتباره حقًا لجميع السفن والطائرات، بما يكفل استمرار الملاحة الدولية دون عرقلة، مع التزام مستخدمي المضيق باحترام أمن الدول المشاطئة وسلامتها.
ونصت المادة (38) من الاتفاقية على أن جميع السفن والطائرات تتمتع بحق المرور العابر الذي لا يجوز تعطيله، بينما تؤكد المادة (39) التزام السفن والطائرات، أثناء المرور، باحترام قواعد السلامة البحرية، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها بما يخالف ميثاق الأمم المتحدة.
وفي المقابل، ألزمت المادة (44) الدول المطلة على المضائق بعدم تعليق أو تعطيل حق المرور العابر، واتخاذ التدابير اللازمة لضمان سلامة الملاحة الدولية، وهو ما يجعل الإغلاق الكامل للمضيق محل جدل قانوني واسع إذا ترتب عليه تعطيل هذا الحق.
ومن ناحية أخرى، فإن ميثاق الأمم المتحدة يمثل الإطار القانوني الأعلى المنظم للعلاقات الدولية؛ فتنص المادة (2/4) على امتناع الدول عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، بينما تقر المادة (51) بحق الدفاع الشرعي عن النفس إذا وقع هجوم مسلح، إلى حين اتخاذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين. ومن ثم، فإن أي عمل عسكري في محيط مضيق هرمز يجب أن يستند إلى أحد الأسس القانونية المقررة في الميثاق، وألا يتجاوز حدود الضرورة والتناسب.
كما أن اتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الملاحة البحرية لعام 1988م تجرم الاعتداءات على السفن والمنشآت البحرية، وتلزم الدول بالتعاون لمنع الأفعال التي تعرض الملاحة الدولية للخطر، وهو ما يعزز الالتزام الدولي بحماية أمن الممرات البحرية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الحلول الدبلوماسية باعتبارها الخيار الأكثر استدامة لمعالجة الأزمات المرتبطة بالمضيق، وقد أثبتت التجارب أن الحوار وبناء الثقة بين الأطراف المعنية أكثر قدرة على حماية حرية الملاحة، وضمان أمن المنطقة، من سياسات التصعيد المتبادل، التي قد تؤدي إلى نتائج يصعب احتواؤها.
وهنا، يبرز دور سلطنة عُمان بوصفها دولة مشاطئة لمضيق هرمز، وصاحبة نهج راسخ في الوساطة والحوار، حيث تضطلع بدور محوري في الحفاظ على أمن الملاحة، وقد أسهم نهجها القائم على احترام القانون الدولي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، وتعزيز الثقة بين مختلف الأطراف، وتقريب وجهات النظر، انطلاقًا من سياسة خارجية تقوم على الحياد الإيجابي، واحترام القانون الدولي، والسعي إلى تسوية النزاعات بالطرق السلمية.
وفي الختام، فإن مستقبل مضيق هرمز لن تحدده موازين القوة العسكرية، وإنما مدى احترام قواعد القانون الدولي؛ لأن استقرار الممرات البحرية لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما بسيادة القانون، واحترام الالتزامات الدولية، وإدراك جميع الأطراف أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية.
**دكتوراه في القانون
