"الذكاء الاصطناعي المُجسَّد".. عندما يغادر الشاشات ويحيط بنا!

مؤيد الزعبي

تخيل عزيزي القارئ أن تستيقظ صباحًا وتخرج من منزلك فتجد أن أول ذكاء اصطناعي تقابله ليس على هاتفك، ولا داخل جهاز الكمبيوتر، وإنما في الشارع أمامك؛ سيارة تمر بجانبك من دون سائق، وكاميرا تراقب حركة الطريق وتفهم ما يحدث، وإشارة مرور تغير توقيتها لأنها أدركت أن الازدحام سيبدأ بعد دقائق، وروبوت يعبر الشارع حاملًا طلبًا إلى أحد المنازل!

وعندما تقرر أن تشتري قهوتك من المتجر الذي تفضله فتجد أن من يحضرها لك روبوت، وحتى عندما تدخل إلى السوبرماركت فيستقبلك نظام يعرف ما تبحث عنه قبل أن تسأله، وفي المساء تعود إلى منزلك لتشاهد فيلمًا صُممت بعض مشاهده وشخصياته بواسطة الذكاء الاصطناعي، قد يبدو المشهد أقرب إلى فيلم من أفلام الخيال العلمي، لكن المفاجأة أن بعضه أصبح واقعًا بالفعل،  فالذكاء الاصطناعي الذي عرفناه لسنوات كخوارزمية خلف الشاشة بدأ يغادرها؛ ويتجه الآن ليصبح شيئًا نراه ونسمعه ونتعامل معه في العالم الحقيقي، أو ما بات يُعرف الذكاء الاصطناعي المجسّد (Physical AI).

وهذا التحول لم يعد مجرد توقعات لشركات التكنولوجيا، فالروبوت لم تعد آلة تنفذ أوامر محددة مسبقًا؛ بل أصبحت قادرًا بفضل الذكاء الاصطناعي على إدراك البيئة من حوله، وفهم السياق، واتخاذ قرارات والتكيف مع ما يحدث أمامه، صحيح أن الوصول إلى روبوتات بشرية قادرة على القيام بكل ما يفعله الإنسان ما زال يحتاج إلى سنوات من التطوير، لكن الاتجاه أصبح واضحًا: الذكاء الاصطناعي ينتقل من مرحلة المعرفة والنصوص إلى مرحلة الفعل والتنفيذ.

بالنسبة لي، فإن أفضل مكان سنبدأ فيه بمشاهدة هذا التحول هو الشوارع من حولنا؛ فالسيارة التي كانت في الماضي مجرد وسيلة نقل ستصبح جهازًا ذكيًا يتحرك ويتخذ قرارات ويتفاعل مع المشاة والسيارات والإشارات، ولم يعد هذا السيناريو مستقبليًا؛ فقد بدأت العديد من مدن العالم التشغيل التجاري لسيارات الأجرة ذاتية القيادة، وقريبًا ستصبح ممكنة للاستخدام الشخصي وهذه المركبات تعتمد على الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار والخرائط الرقمية والتعلم العميق لاتخاذ قرارات لحظية والتعامل مع التقاطعات والمشاة وحركة المرور، وحتى إشارات المرور نفسها ستصبح أكثر ذكاءً، فتقرأ حركة السيارات من الكاميرات وتعدل توقيت الإشارة وفقًا للواقع بدل الاعتماد على جداول ثابتة، أما كاميرات المراقبة فلن تكتفي بتسجيل ما حدث؛ بل ستتمكن من تحليل ما يحدث لحظة بلحظة، واكتشاف أنماط أو حوادث أو سلوكيات معينة.

وحتى عالم الترفيه لن يبقى بعيدًا عن هذا التحول، فالذكاء الاصطناعي دخل بالفعل في صناعة السينما والتلفزيون، من كتابة الأفكار وتصميم الشخصيات والمشاهد، إلى المؤثرات البصرية وتوليد الصور والفيديو والمساعدة في مرحلة ما قبل الإنتاج وما بعده، وقد بدأت بعض الأعمال التلفزيونية والسينمائية تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج مشاهد كان تنفيذها تقليديًا يحتاج إلى ميزانيات وفرق ضخمة، وفي المستقبل قد لا يكون من الغريب أن نشاهد فيلمًا يستطيع فيه المخرج تغيير مدينة كاملة أو عمر شخصية أو يُشكل عالم خيالي خلال دقائق، أو أن نشاهد محتوى ترفيهيًا يتغير وفق تفضيلات المشاهد نفسه، وربما يصل الأمر إلى أن يصبح لكل مشاهد نسخة مختلفة من القصة والأحداث والسيناريو.

الشوارع ليست المكان الوحيد الذي سيصل إليه هذا الذكاء الجديد، فمصانعنا ومكاتبنا ستكون من أكثر الأماكن التي ستتغير، ففي المصنع لن يكون الروبوت مجرد ذراع ميكانيكية تقوم بالحركة نفسها آلاف المرات، بل آلة تستطيع رؤية قطعة أمامها، فهم شكلها واختيار الطريقة المناسبة للتعامل معها، وفي المستودعات قد تتحرك روبوتات مستقلة بين البشر تنقل البضائع وتعيد ترتيبها، بينما يمكن للروبوتات البشرية أن تدخل تدريجيًا في أعمال تحتاج إلى الحركة داخل بيئات صُممت أصلًا للإنسان، أما مكاتبنا سنجد الذكاء الاصطناعي حاضرًا ليس على شكل برنامج نفتح نافذته، وإنما ضمن أنظمة العمل نفسها؛ في الاجتماعات، وإدارة المشاريع، وخدمة العملاء، وتحليل البيانات، وربما في أجهزة ومعدات تتخذ قرارات تشغيلية لحظية، ولهذا أجد أن الذكاء الاصطناعي المجسّد سيغير طريقة التعاون بين الإنسان والآلة، وليس فقط طريقة استخدام هذه الروبوتات.

عزيزي القارئ هناك سؤال عميقًا أود طرحه هنا: ماذا سيحدث لشعور الإنسان بالخصوصية؟ تخيل أن تعيش في مدينة لا تنام فيها "عيون" الأنظمة الذكية؛ كاميرات ترى، وسيارات تستشعر، وأجهزة تتعرف إلى الأنماط، وأنظمة تراقب حركة المرور والمرافق والأماكن العامة، قد يكون ذلك أكثر أمانًا وكفاءة، لكنه قد يجعل الإنسان يشعر أيضًا بأنه يعيش تحت مراقبة مستمرة، والمشكلة ليست في وجود الكاميرا وحدها، وإنما في أن تتحول المدن نفسها إلى نظام قادر على فهم ما تراه الكاميرات واتخاذ قرارات بناءً عليه، ومع انتقال الذكاء الاصطناعي إلى العالم المادي، تصبح قضايا الثقة والسلامة والحوكمة والرقابة البشرية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ربما بعد سنوات سنجلس في مقهى وننظر إلى شارع مزدحم لنكتشف أن معظم ما يحدث حولنا لا يديره الإنسان، فالسيارات تتحدث مع البنية التحتية، والروبوتات تتحرك بين المشاة، والكاميرات تفهم ما يحدث، والمصانع تعمل إلى حد كبير بصورة مستقلة، وشاشات السينما تعرض عوالم لم يصنعها البشر، عندها سيكون السؤال الحقيقي: هل نجح الإنسان في جعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من حياته، أم سمح له بأن يصبح هو الذي يحدد شكل هذه الحياة؟

إنَّ المستقبل الأفضل ليس عالمًا ينتصر فيه الإنسان على الآلة، ولا عالمًا تنتصر فيه الآلة على الإنسان، وإنما عالم يعرف فيه الإنسان أين يترك للآلة أن تتصرف، وأين يجب أن يبقى القرار بيده فالذكاء الاصطناعي قد يغادر الشاشة فعلًا، لكن علينا أن نتأكد ألا يغادر الإنسان مكانه الحقيقي في هذا العالم.

الأكثر قراءة

z