د. عبدالله خلفان البلوشي
في زمن يتنافس فيه العالم لجعل بيئة العمل أكثر جاذبية وإلهامًا، وتتصدر فيه القيادات المؤسسية المشهد في معظم الدول العظمى، لا يزال هناك أشخاص يحملون المسميات الوظيفية، ولكن بعقول تملؤها الغيرة والحسد؛ مدفوعين بالخوف من المنافسة على مناصبهم!
يرى هؤلاء كل موظف بمثابة العدو الخفي أو المنافس على كرسي المسؤولية، فيكون جل تركيزهم منصبًا على إشباع رغبتهم بالتسلط على الموظفين، عبر التمسك بنظام الحضور والانصراف، وإجبارهم على البقاء فترة أطول في موقع العمل، وفرض السيطرة بأساليب التهديد بإنهاء الخدمة، أو تغيير مهام الموظف، واختلاق القصص التي كانت تروى قبل عصر الإنترنت، دون النظر إطلاقًا إلى جانب الإنتاج والتطوير، أو مواكبة ثورة عالم الذكاء الاصطناعي، كونهم منشغلين بإشباع رغباتهم السُلطوية.
يتميز هؤلاء الأشخاص بالظهور الملمع عبر وسائل التواصل الاجتماعي كأصحاب مبادرات ومبادئ ورسائل مُلهمة، ويصفون أنفسهم بأنَّهم صناع الخير أينما وجدوا، وذلك لكسب تعاطف الآخرين، دون النظر إلى مسماهم الوظيفي الحقيقي أو تمثيلهم لاسم المؤسسة التي يعملون بها؛ علمًا بأنَّ هذا الاسم يرفع من شأن الموظف وقيمته أمام دولته، لأنَّ الولاء والإخلاص والعطاء هي أهم ما يميز الموظف الحقيقي.
يحمل الكثير من الموظفين كفاءات وطاقات تكاد تكون مهدورة؛ تُخفى عنها الفرص، ولا تُعطى الأدوار المطلوبة لتكون جزءًا أساسيًا من منظومة العمل التي ترتقي بها المؤسسة. فالعمل الجماعي يولد الإبداع والابتكار، وينوع مصادر المعرفة ليحقق النجاح والتميز على جميع المستويات.
أما بيئة العمل التي يسيطر عليها مسؤول لا يستطيع إدارة نفسه، ولا يؤمن بالتطوير ولا ببناء الشراكات، ولا يملك رؤية ولا أهدافًا ولا رسالة، ويترك العمل يسير في مركب تدفعه الرياح إلى حيث تشاء، ثم ينسب مشاريع الموظفين وأعمالهم وإنجازاتهم إلى نفسه واصفًا إياها بالقائد العظيم؛
فنقول له: قف، وتوقف، وتمهل! فأنت تحطم أساسًا، وتهدم جبلًا، وتكسر عصًا، وتهتك عرضًا وشرفًا.
الأساس هو ما أرساه النظام في بيئات العمل التي يسير عليها الجميع وتتعاقب عليها الأجيال.
وهدم الجبل هو هدم كل ما بناه القياديون قبلك من نجاحات وإنجازات لا يستطيع عقلك الاستبدادي أن يستوعبها.
وأن تكسر عصًا؛ أي أنك تضرب منظومات العمل التي تُبنى عليها السياسات ولا تستقيم إلا بها، والتي تجعل التكافؤ نهجًا مستقيمًا بين الأفراد والمجتمعات.
وأن تهتك عرضًا وشرفًا؛ والمقصود هنا بلدك التي تعمل لأجلها ومؤسستك التي تنتمي إليها؛ وهي الأمانة والسمعة التي تحطم موظفيها بنهجك العقير، وتحرم المستفيدين من خدماتها، وتجعل سمعة هذه المؤسسة سيئة بين قاطبة الناس، وهي عرضك وشرفك الوظيفي الذي يتحتم عليك المحافظة عليه ما دمت متواجدًا لإدارتها وتحمل اسمها.
رسالتي لكم: إن الكُرسي لا يدوم طويلًا، ولكن ما يدوم هو السمعة الحسنة بين الموظفين وعائلاتهم، وفي المجتمع الذي تعيش فيه.
اترك أثرًا تجده بعد رحيلك؛ إما ذكرى طيبة، أو دعوة صادقة لا تنقطع، أو تجنب أن تكون ممن يُقال فيهم هذه الجملة بين قوسين.
شكرًا لكل مسؤول ملهم جعل من بيئة العمل مكانًا للإبداع، ومنارة للعلم، وانطلاقة لكل مجتهد، وبداية جميلة لكل موظف، ستجني ثمار صنيعك الطيب بعد رحيلك.
