البرنامج النووي الإيراني.. من ورقة تفاوض إلى عقيدة بقاء

بقلم: عبدالنبي الشعلة

خلال السنوات التي أعقبت قيام الثورة الإيرانية عام 1979، غادر إيران مئات الآلاف من أبنائها، هربًا من أجواء القمع والمحاكمات والإعدامات، أو بحثًا عن فضاء أرحب للحرية والإبداع والانفتاح. وكان من بين هؤلاء علماء ومثقفون وأكاديميون ورجال أعمال وفنانون، إلى جانب أعداد كبيرة ممن رفضوا التوجهات الداخلية والخارجية للنظام الجديد.

ومع مرور الوقت، تشكلت جاليات إيرانية مؤثرة في مختلف أنحاء العالم، تضم شخصيات ذات مستوى علمي وثقافي رفيع، لا تزال تتابع باهتمام بالغ ما يجري في وطنها الأم. وفي مدينة ماربيا الإسبانية، حيث أقضي جزءًا من عطلتي الصيفية، جمعتني الظروف منذ سنوات بعدد من أفراد هذه الجالية، وأصبحت لقاءاتنا السنوية مناسبة للحوار وتبادل الرؤى حول مستقبل إيران والمنطقة.

في لقائنا الأخير قبل أيام، استأثر الوضع في الخليج العربي ومستقبل النظام الإيراني بالنصيب الأكبر من النقاش. وكان من اللافت حجم التعاطف الذي أبداه الحاضرون مع دول الخليج العربية، معتبرين أنها دفعت أثمانًا باهظة لصراعات لم تكن طرفًا في صنعها، لكنها وجدت نفسها في قلب تداعياتها الأمنية والاقتصادية.

ومن بين الموضوعات التي ناقشناها، برزت فرضية سياسية تستحق التأمل، وإن بقيت في إطار الاحتمال النظري. وتقوم هذه الفرضية على إمكانية التوصل إلى صفقة كبرى بين النظام الإيراني، الساعي إلى ضمان بقائه، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المعروف بإيمانه بمنطق الصفقات، بحيث تتخلى إيران عن برنامجها النووي مقابل الحصول على وضع يمنحها نفوذًا أوسع في مضيق هرمز أو دورًا استثنائيًا في ترتيبات أمنه.

قد تبدو مثل هذه الفرضية مغرية لبعض الأطراف، خصوصًا إذا كان الهدف إنهاء حالة الصراع المزمنة في المنطقة. كما أن السيطرة على المضيق كانت، تاريخيًا، أحد الطموحات الاستراتيجية التي راودت دوائر القرار في إيران قبل الثورة وبعدها، لما يمثله من أهمية استثنائية لحركة الطاقة والتجارة العالمية.

غير أن السؤال الأهم ليس: هل يمكن أن تُعرض مثل هذه الصفقة؟ بل: هل يستطيع النظام الإيراني قبولها أصلًا؟

في تقديري، وبعد النقاش الطويل الذي دار مع أصدقائي الإيرانيين، فإن الإجابة أقرب إلى النفي. فالبرنامج النووي لم يعد مجرد مشروع علمي أو ورقة تفاوض سياسية يمكن استبدالها بمكاسب أخرى، بل تحول، عبر أكثر من أربعة عقود، إلى أحد أعمدة شرعية النظام نفسه.

لقد استثمرت الدولة الإيرانية في هذا المشروع موارد مالية هائلة، وتحملت بسببه عقوبات اقتصادية قاسية، وخسرت فرصًا تنموية كبيرة، كما فقدت عددًا من أبرز علمائها الذين اغتيلوا خلال السنوات الماضية. وأصبح البرنامج النووي حاضرًا في الخطاب السياسي والإعلامي والتعبئة الشعبية باعتباره رمزًا للاستقلال والسيادة والتقدم العلمي.

فكيف يمكن للنظام أن يبرر للإيرانيين، إذا تخلى عنه، كل تلك التضحيات التي قدمها؟ كيف سيجيب عن الأسئلة المتعلقة بالمليارات التي أُنفقت، والسنوات التي ضاعت، والعقوبات التي أرهقت الاقتصاد، والدماء التي أُريقت دفاعًا عن مشروع انتهى بالتنازل عنه؟

وعندما سألت بعض أصدقائي الإيرانيين عن الهدف الحقيقي من البرنامج، إذا لم يكن الوصول إلى امتلاك السلاح النووي، جاء جوابهم واضحًا: إن القيادة الإيرانية تنظر إلى امتلاك القدرة النووية بوصفه الضمانة النهائية لبقاء النظام، وحماية مشروعه الإقليمي، وتعزيز مكانة إيران كقوة كبرى في المنطقة.

وسواء اتفق المرء مع هذا الرأي أو اختلف معه، فإن الثابت هو أن النظام نجح، عبر سنوات طويلة، في إضفاء أبعاد رمزية وسياسية ودينية على البرنامج النووي. فقد ارتبط المشروع في الخطاب الرسمي بمفاهيم الاستقلال والعزة الوطنية، كما أحيطت بعض محطاته برمزية دينية واضحة، سواء من خلال دفن عدد من العلماء الذين اغتيلوا في مراقد ذات مكانة دينية، أو إقامة منشآت نووية حساسة بالقرب من مدينة قم، بما يرسخ في الوعي الجمعي أن البرنامج ليس مجرد مشروع تقني، بل قضية ذات أبعاد عقائدية ووطنية.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فكلما طال عمر المشروع، ازدادت كلفة التراجع عنه سياسيًا ونفسيًا، حتى أصبح النظام أسيرًا له أكثر مما أصبح المشروع أداة بيده.

لهذا السبب، يبدو أن أي تسوية دائمة مع إيران لن تكون مجرد اتفاق فني حول أجهزة الطرد المركزي أو نسب التخصيب، بل ستتطلب معالجة أعمق لطبيعة العلاقة بين النظام ومشروعه النووي، بعدما أصبح الاثنان، في نظر كثير من المراقبين، جزءًا من معادلة واحدة يصعب الفصل بينهما.

وقد يكون المستقبل كفيلًا بالإجابة عن السؤال الأكبر: هل تستطيع إيران أن تعيد تعريف أولوياتها الاستراتيجية في ظل نظامها الحالي، أم أن أي تحول جذري في هذا الملف سيظل مرتبطًا أولًا بتحولات داخلية يقررها الإيرانيون أنفسهم؟ وحده الزمن سيحمل الإجابة، لكن المؤكد أن البرنامج النووي لم يعد مجرد ملف تفاوض، بل أصبح أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة النظام الإيراني ومستقبل المنطقة بأسرها.

الأكثر قراءة

z