أحمد السلماني
hakeem225@hotmail.com
قبل الحكم على كرة القدم الآسيوية، يجب الاعتراف بحقيقة واضحة: القارة لا تعاني نقصًا في المواهب، ولا في عدد ممارسي اللعبة، ولا حتى في الموارد المالية. ومع ذلك، خرجت سبعة منتخبات آسيوية من دور المجموعات في كأس العالم 2026، ثم غادر المنتخبان الوحيدان اللذان قدما مستويات مقنعة، اليابان وأستراليا، من دور الـ32، لتتحول القارة إلى مجرد متابع لما تبقى من البطولة، في وقت فرضت فيه المنتخبات الأفريقية نفسها بقوة، وأبهرت العالم بقدرتها على مجاراة كبار أوروبا والأمريكتين، رغم أن ما يُنفق على كرة القدم في آسيا يفوق بأضعاف ما يُنفق في أفريقيا.
هذا التناقض يؤكد أن الأزمة ليست أزمة إمكانات، بل أزمة إدارة ورؤية. فالاتحاد الآسيوي والعديد من الاتحادات المحلية بحاجة إلى مراجعة شاملة لآليات العمل، بعيدًا عن هيمنة المصالح الضيقة وسيطرة المال والنفوذ على مفاصل القرار، وهو واقع انعكس سلبًا على تطوير اللعبة ورفع مستوى التنافسية بين المنتخبات الآسيوية.
ومن الأمثلة التي أثارت كثيرًا من الجدل، قرار إقامة مباريات الملحق الآسيوي المؤهل لكأس العالم في قطر والسعودية، رغم أن اللائحة قبل انطلاق التصفيات كانت تمنح أفضلية الاستضافة وفق ترتيب المنتخبات في مجموعاتها. مثل هذه القرارات، بصرف النظر عن تفاصيلها، عززت الانطباع بأن الاعتبارات الإدارية قد تتغلب أحيانًا على مبدأ تكافؤ الفرص، وهو أمر يستدعي مراجعة جادة إذا كانت القارة تسعى إلى بناء منظومة أكثر عدالة ومصداقية.
المرحلة المقبلة تتطلب تحركًا حقيقيًا من الاتحادات الوطنية لإعادة تقييم أداء الاتحاد القاري، والعمل على إصلاح شامل يضع التنمية الفنية في مقدمة الأولويات، لا الاكتفاء بإدارة المسابقات وتنظيم البطولات. المطلوب هو توجيه موارد الاتحاد الآسيوي نحو برامج تطوير المدربين، وتأهيل الحكام، والارتقاء بالأكاديميات، وتحسين مسابقات الفئات السنية، وفرض معايير حوكمة ورقابة، ومؤشرات أداء واضحة تقيس أثر كل مشروع على مستوى المنتخبات الوطنية.
إن الوصول بمنتخب آسيوي إلى نصف نهائي كأس العالم 2030، ثم المنافسة الجادة على أول لقب عالمي في مونديال 2034، الذي تستضيفه المملكة العربية السعودية، يجب أن يكون هدفًا استراتيجيًا معلنًا، لا مجرد شعار إعلامي. فالأهداف الكبيرة لا تتحقق بالإنفاق وحده، بل بالتخطيط، والمحاسبة، واستثمار الموارد في المكان الصحيح.
لقد آن الأوان لأن تستفيق القارة الصفراء. فاستمرار النهج الحالي لن يؤدي إلا إلى اتساع الفجوة مع بقية قارات العالم، وسيجعل كرة القدم الآسيوية تدور في الحلقة نفسها، بينما يواصل الآخرون التقدم بخطى ثابتة نحو القمة. إذا أرادت آسيا أن تصبح قوة كروية حقيقية، فإن الإصلاح لم يعد خيارًا، بل ضرورة لا تحتمل التأجيل.
والتاريخ لن يذكر حجم الإنفاق، بل سيذكر حجم الإنجاز. وبينما نجحت أفريقيا في تحويل محدودية الموارد إلى قوة تنافسية، لا تزال آسيا مطالبة بتحويل وفرة الإمكانات إلى مشروع كروي حقيقي. فالمونديال لا يكافئ الأغنى، بل يكافئ الأفضل إعدادًا.
