أمسية مع ابني لاكتشاف عاصمة عُمان

 

 

 

محمد أنور البلوشي**

"هيا بنا في جولة طويلة بالسيارة"، قلت لابني ذات مساء. ابتسم وسألني: "أليس لديك عمل غدًا؟" فأجبته: "لا، غدًا إجازتي". فقال مبتسمًا: "إذًا، لننطلق".

أحيانًا لا تكون أجمل الرحلات تلك التي تعبر بنا الحدود أو تقطع آلاف الكيلومترات، بل تلك التي تعيدنا إلى أنفسنا وإلى ذاكرتنا. في تلك الأمسية، لم أكن أقود ابني في شوارع مسقط لمجرد التنزه، بل أردته أن يصبح سائحًا في وطنه، بينما أتقمص أنا دور الدليل الذي يحمل بين يديه ذاكرة مدينة عاش تفاصيلها، وشهد كيف نمت وتغيرت عبر العقود.

كنت أريده أن يرى العاصمة بعين من عاشها، لا بعين من يشاهدها عبر خرائط الهواتف الذكية أو منصات التواصل الاجتماعي. فكل شارع يحمل قصة، وكل حي يحتفظ بذكرى، وكل مبنى يروي فصلًا مختلفًا من فصول حياتي.

بدأنا رحلتنا من الخوض. وبينما كانت السيارة تشق الطرق التي أعرفها جيدًا، أشرت إلى المدرسة التي أنهيت فيها المرحلة الثانوية. تغيرت المباني، واتسعت الطرق، وامتلأت الأراضي التي كانت يومًا فضاءات مفتوحة بمنازل حديثة وأحياء نابضة بالحياة. كان ابني ينظر بصمت من نافذة السيارة، بينما كنت أسترجع أيام الدراسة، وأتحدث عن المعلمين الذين علمونا أن المعرفة هي الاستثمار الوحيد الذي لا يفقد قيمته، وعن الأصدقاء الذين كانوا يؤمنون بأن المستقبل لا يأتي إلى من ينتظره، بل إلى من يصنعه بجهده وأحلامه.

وقبل أن نواصل رحلتنا، طرحت عليه سؤالًا أعتقد أن كل أب ينبغي أن يطرحه على أبنائه بين الحين والآخر. قلت له: "ما آخر كتاب قرأته؟" فأجابني: "علم النفس المظلم". ومن هذا العنوان انطلق حديث طويل لم يكن عن الكتاب وحده، بل عن علم النفس والأدب والفلسفة وأهمية القراءة في حياة الإنسان.

قلت له إن الكتب تشبه المعلمين الصامتين؛ فبعضها يمنحنا المتعة، وبعضها يوسع مداركنا، أما الكتب العظيمة فهي التي تغير الطريقة التي ننظر بها إلى العالم وإلى أنفسنا. فالأمم التي تقرأ لا تبني مكتبات فحسب، بل تبني عقولًا قادرة على صناعة المستقبل.

ومن الخوض اتجهنا نحو وادي عدي. وما إن دخلنا المنطقة حتى خففت سرعة السيارة، وقلت له: "عندما كنت في سن المراهقة، كان كثير من أصدقائي المقربين يسكنون هنا، وقد قضيت في هذه الشوارع أمسيات لا تُنسى". نظر إلى الخارج مبتسمًا وقال: "لا بد أن المكان كان مختلفًا". فقلت له: "بالتأكيد، لقد تغيرت المدينة كثيرًا، لكن الذكريات بقيت كما هي. فبعض الأماكن لا نراها بأعيننا فقط، بل نراها بقلوبنا أيضًا".

واصلنا طريقنا إلى الحمرية، وعندما مررنا بالطريق الذي لا يزال كثير من سكان مسقط القدامى يسمونه "شارع هوندا"، شرحت له كيف أن المدن لا تصنعها الخرائط الرسمية وحدها، بل يصنعها الناس أيضًا. فكثير من أسماء الطرق والأحياء والمقاهي لم تأتِ من الجهات الرسمية، وإنما ولدت من ذاكرة المجتمع وتكررت على ألسنة الناس حتى أصبحت جزءًا من هوية المكان. فكل جيل يترك بصماته الخفية على المدينة، والمدينة بدورها تحتفظ بهذه البصمات جيلًا بعد جيل. فالمدن لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما تُبنى أيضًا بالقصص والذكريات والمشاعر الإنسانية.

ومع اقتراب غروب الشمس خلف جبال مسقط، وصلنا إلى مطرح. وكلما زرت مطرح شعرت وكأنني أفتح كتابًا قديمًا من كتب التاريخ. أشرت إلى القلعة العتيقة التي تقف شامخة فوق الميناء، وقلت له: "تخيل كم من البحارة والتجار والمسافرين وقفوا أمام هذه القلعة قبل أن تطأ أقدامهم أرض عُمان". ظل صامتًا وهو يتأمل البحر، فقلت له: "الجدران لا تتحدث، لكنها شهدت قرونًا من قصص البشر، واحتفظت في صمتها بما لا تستطيع الكتب أن ترويه بالكامل".

كان كورنيش مطرح يعج بالعائلات والسياح من مختلف الجنسيات. وبينما كنا نتأمل المباني القديمة والأسواق التاريخية، حدثته عن مطرح التي كانت، ولا تزال، إحدى أهم البوابات التي ربطت عُمان بالعالم عبر التجارة والثقافة والصداقة.

فمن هذا الميناء عبرت السفن المحملة بالبضائع، وانتقلت الأفكار، وتعارفت الشعوب. ولطالما آمنت أن التجارة ليست مجرد تبادل للسلع، بل هي أيضًا تبادل للحضارات والثقافات والقيم الإنسانية. فالاقتصاد الحقيقي لا يقوم على المال وحده، بل على الثقة، وحسن التعامل، والالتزام، وهي القيم التي صنعت المكانة التجارية التي عُرفت بها عُمان عبر تاريخها البحري الطويل.

ومن مطرح اتجهنا إلى روي، القلب التجاري النابض للعاصمة. قد يراه كثيرون مجرد منطقة مزدحمة بالمحال التجارية والمكاتب، لكنه بالنسبة إليّ يمثل سنوات طويلة من الذكريات المهنية. أشرت إلى أحد المباني وقلت له: "هناك يقع البنك الوطني العُماني، وكانت تلك أول محطة في حياتي المصرفية". التفت إليّ وقال: "إذن... من هنا بدأت كل الحكاية؟" ابتسمت وأجبته: "نعم، فكل رحلة مهنية تبدأ بخطوة يملؤها شيء من القلق وكثير من الأمل. لا أحد يعرف إلى أين ستقوده الحياة، لكن الإنسان يواصل التعلم والعمل ويثق بأن الاجتهاد لا يضيع".

وبعد دقائق مررنا ببنك ظفار، حيث قضيت سنوات جميلة ومليئة بالتجارب المهنية. لم تكن تلك المباني مجرد أماكن أذهب إليها كل صباح، بل كانت مدارس حقيقية تعلمت فيها المسؤولية، والانضباط، والقيادة، والعمل بروح الفريق، والأهم من ذلك كله أن خدمة العملاء ليست وظيفة تؤدى، بل رسالة تقوم على الأمانة والاحترام وبناء الثقة.

ومن هنا انتقل حديثنا بصورة طبيعية إلى الاقتصاد العُماني. وبينما كنا ننظر إلى أفق مسقط الحديث، وما يزخر به من مشاريع ومبانٍ حديثة، بدأ ابني يتحدث عن أحلام كثير من الشباب العُماني؛ عن رغبتهم في الحصول على وظائف ذات معنى، وتأسيس مشاريعهم الخاصة، وتحقيق الاستقلال المالي، والمشاركة في بناء وطنهم.

استمعت إليه باهتمام، ثم قلت له إن لكل جيل رسالته الخاصة. جيلنا ساهم في بناء المؤسسات، أما جيلكم فعليه أن يبني الأفكار ويقود الابتكار. فالاقتصاد الحديث لم يعد يكافئ العمل الروتيني كما كان في السابق، بل أصبح يمنح الفرص الأكبر لمن يمتلك المعرفة، والإبداع، وريادة الأعمال، والقدرة على توظيف التكنولوجيا في خدمة الإنسان والمجتمع.

ثم سألني: "هل تعتقد أن عُمان ستواصل نموها؟" فأجبته بثقة: "أنا مؤمن بذلك. لكن أعظم استثمار تمتلكه عُمان ليس النفط، ولا الموانئ، ولا الطرق، ولا المباني الحديثة، بل الإنسان العُماني نفسه. فإذا واصل الشباب القراءة، والتعلم، والتفكير، وطرح الأسئلة، والابتكار، فإن مستقبل هذا الوطن سيظل مشرقًا مهما تغيرت الظروف الاقتصادية أو تبدلت أسواق العالم".

وعندما بدأنا طريق العودة إلى المنزل، خيم بيننا صمت جميل، لكنه لم يكن صمتًا فارغًا، بل كان ممتلئًا بالتأمل والمعاني. عندها أدركت أنني لم أُرِ ابني معالم العاصمة فحسب، بل أخذته في رحلة عبر جغرافية حياتي، حيث امتزجت الطرق بالذكريات، والتاريخ بالاقتصاد، والعمل بالقيم، والوطن بالإنسان. وربما كانت تلك هي أجمل الهدايا التي يستطيع أب أن يقدمها لابنه؛ أن يورثه الحكايات قبل الممتلكات، والقيم قبل الأموال، وأن يجعله يدرك أن المدن ليست مجرد شوارع ومبانٍ، بل ذاكرة حيّة، وأن الأوطان العظيمة تُبنى دائمًا بعقول أبنائها، قبل أن تُبنى بالحجر والأسمنت.

**محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z