جان يعقوب جبور
هذه المقالة تأتي من شعورٍ بأننا كلبنانيين أصبحنا نبتعد عن بلدنا ليس بسبب انتمائنا ووطنيتنا، ولكن لخيباتنا القديمة الجديدة بسلطات مروا على لبنان وحتى زمننا هذا من دون أن تعمل على تأمين أبسط شروط الحياة وأهمها الأمن والأمان والحفاظ على لقمة عيشنا، بل اتحدوا بمعظمهم على شعبهم لمصلحتهم ولأجندات خارجية تضمن لهم استمرارهم بمواقعهم من دون أي رؤية أو استراتيجية وطنية تضمن حقوقنا في عيش كريم في كل مراحل حياتنا.
في وطنٍ كان يُفترض أن يكون مساحةً للأمان والانتماء، يشعر كثير من اللبنانيين اليوم بأنهم غرباء في أرضهم. ليست الغربة دائمًا رحلة سفرٍ إلى بلدٍ بعيد، بل قد تكون شعورًا يوميًا يرافق الإنسان وهو يمشي في شوارع مدينته، أو يقف عاجزًا أمام مصرفه، أو يهاجر أخوه بحثًا عن فرصة حياة كريمة. عبارة “غرباء في وطني لبنان” لم تعد مجرد وصفٍ أدبي، بل تحوّلت إلى حالة نفسية واجتماعية وسياسية يعيشها ملايين اللبنانيين منذ سنوات طويلة، وتفاقمت مع الانهيار المالي والاقتصادي والانقسامات السياسية الحادة.
منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، دخل لبنان مرحلة إعادة بناءٍ كان يُفترض أن تؤسس لدولة عادلة وقوية، لكن الواقع سار في اتجاهٍ مختلف. تعاقبت الحكومات على إدارة البلاد بعقلية المحاصصة الطائفية والمصالح الحزبية الضيقة، فبقي المواطن الحلقة الأضعف في معادلة السلطة. وبدلًا من بناء مؤسسات حديثة تحمي الناس وتؤمن لهم الخدمات الأساسية، جرى تكريس الانقسام بين اللبنانيين على أساس الطائفة والانتماء السياسي، حتى أصبح الولاء للزعيم أحيانًا أقوى من الولاء للدولة نفسها.
السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة ساهمت أيضًا في تعميق هذا الشعور بالغربة. لعقود طويلة، بُني الاقتصاد اللبناني على الاستدانة والهندسات المالية والوعود الوهمية، فيما كانت الطبقة السياسية تتبادل النفوذ والمكاسب. وعندما وقع الانهيار المالي عام 2019، ومن خلال التحركات والمظاهرات المشبوهة اكتشف اللبنانيون أن ودائعهم تبخرت، وأن أعمارهم التي أمضوها في العمل لم تعد تكفي لتأمين أبسط مقومات الحياة. آلاف العائلات خسرت قدرتها الشرائية، وارتفعت نسب البطالة والفقر والهجرة بشكل غير مسبوق، حتى بات الشباب اللبناني يرى مستقبله خارج وطنه لا داخله.
أما رئاسة الجمهورية، التي يُفترض أن تكون رمز وحدة البلاد وحامية الدستور، فقد تأثرت بدورها بالانقسامات السياسية والطائفية؛ فبدلًا من أن تشكل الرئاسة مساحة جامعة لكل اللبنانيين، تحولت في كثير من المحطات إلى جزءٍ من الصراع الداخلي أو انعكاسٍ للتجاذبات الإقليمية والدولية. ومع كل فراغ رئاسي أو أزمة حكم، كان المواطن يشعر أكثر بأن الدولة غائبة، وأن المؤسسات عاجزة عن حمايته أو تمثيله فعليًا.
هذا الواقع انعكس على الحياة اليومية للبنانيين؛ الكهرباء أصبحت حلمًا في بلدٍ يدفع شعبه من جيبه مرتين، والمياه والدواء والتعليم تحولت إلى أعباء ثقيلة، فيما انهارت قيمة الرواتب أمام ارتفاع الأسعار. حتى الكرامة الإنسانية تضررت عندما اضطر مواطنون إلى الوقوف في طوابير طويلة أمام المصارف أو محطات الوقود أو أبواب المستشفيات.
وفي ظل هذا المشهد، أصبح كثيرون يشعرون بأن وطنهم لم يعد يشبههم، وأنهم يعيشون فيه كأنهم ضيوف مؤقتون أو غرباء بلا حقوق. الهجرة كانت النتيجة الأكثر وضوحًا لهذا الانكسار الوطني. لبنان الذي كان يومًا يستقطب الكفاءات، أصبح يصدّر شبابه وأطبائه ومهندسيه وأساتذته إلى الخارج.
وتشير تقديرات عديدة إلى أن عشرات الآلاف من اللبنانيين غادروا البلاد بعد أزمة 2019، هربًا من البطالة وفقدان الأمل. ومع كل شاب يهاجر، يخسر لبنان جزءًا من مستقبله، فيما تبقى العائلات مُمزقة بين حب الوطن والرغبة في النجاة.
ورغم هذا السواد، لا يزال اللبناني يتمسَّك بأرضه وهويته؛ ففي كل أزمة، يثبت الناس قدرتهم على الصمود والتكافل وإعادة النهوض. غير أن هذا الصمود لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية من دون دولة عادلة وسياسات مسؤولة. فالشعور بالغربة داخل الوطن ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة لعقود من الفساد والانقسام وسوء الإدارة وغياب الرؤية الوطنية الجامعة والتبعية للخارج.
لبنان لا يحتاج فقط إلى حلول اقتصادية، بل إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. يحتاج إلى حكومات تعتبر الإنسان أولوية، لا رقمًا في سجلات الطوائف. ويحتاج إلى مسؤولين يدركون أن قيمة الوطن لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة المواطن على العيش بكرامة في أرضه. فعندما يشعر اللبناني أن حقوقه محفوظة، وأن مستقبله ممكن داخل بلده، تسقط تلقائيًا مقولة “غرباء في وطني لبنان”، ويعود الوطن بيتًا لا محطة انتظار للرحيل. ففي السياسة والاقتصاد والمجتمع والبيئة والتعليم والصحة يظل اللبناني خائفًا على مستقبله؛ إذ ما زالت أجندات الحكومات والرؤساء ليست لمصلحة الشعب، ولكن لمصلحتهم الخاصة ولأحزابهم وأيضًا للخارج.
