كُلفة الهدنة الهشة: الندبة الاقتصادية المباشرة بعد توقف الحرب على إيران (2- 7)

 

 

 

عبيدلي العبيدلي **

في ضوء هذه الخلفيات، يصبح اندلاع الحرب مفهومًا اقتصاديًا بوصفه انفجارًا عند نقطة التقاء عدة ضغوط: عقوبات مزمنة، سوق طاقة حساس، ممر بحري بالغ الأهمية، اقتصاد عالمي مثقل بالتضخم والفائدة، وسلاسل إمداد لا تزال تبحث عن الاستقرار. ومن هنا، فإن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية ذات آثار اقتصادية لاحقة، بل كانت منذ لحظتها الأولى حدثًا اقتصاديًا بامتياز، لأن الأسواق بدأت في تسعيرها فورًا قبل أن تتضح نتائجها العسكرية.

لذلك، فإن توقيع مذكرة تفاهم أو الوصول إلى هدنة، حتى لو أوقف صوت البنادق، لا يعني أن الاقتصاد قد خرج من دائرة الحرب. فالأسواق لا تستعيد ثقتها بقرار سياسي واحد، وشركات التأمين لا تخفض أقساطها فورًا، وشركات الشحن لا تعيد مساراتها الطبيعية بمجرد إعلان التهدئة، والمستثمرون لا يلغون علاوة المخاطر قبل اختبار صلابة الهدنة. ومن هنا، فإن السؤال الاقتصادي الذي تطرحه هذه المقالة ليس لماذا اندلعت الحرب سياسيًا أو عسكريًا، بل ما الخلفية الاقتصادية التي جعلتها شديدة التأثير؟ وما الخسائر القريبة التي ستظل تضغط على الاقتصاد الدولي حتى بعد توقف القتال؟

نحن لا نبحث في الأسباب السياسية أو العسكرية للحرب، ولا ندخل في السيناريوهات البعيدة، بل نركز على الخسائر الاقتصادية القريبة المتوقعة بعد الهدنة: خسائر الطاقة، والملاحة، والشحن، والتأمين، والتضخم، والتمويل، والنمو، وثقة المستثمرين، والاقتصادات الخليجية، والاقتصاد الإيراني، والشركات الصغيرة والمتوسطة، والاقتصاد الدولي ككل.

الطاقة بوصفها الجرح الاقتصادي الأول

تبدأ الخسائر الاقتصادية القريبة من سوق الطاقة. فالحرب وقعت في منطقة لا تشبه أي منطقة أخرى من حيث تأثيرها على النفط والغاز. الخليج ليس مجرد منطقة منتجة للطاقة، بل هو مركز من مراكز توازن السوق العالمي. ومضيق هرمز، على وجه الخصوص، يمثل نقطة عبور حيوية لكميات ضخمة من النفط والسوائل البترولية والغاز الطبيعي المسال. ولذلك فإن أي تهديد له يرفع فورًا مستوى القلق في الأسواق، حتى قبل أن يقع النقص الفعلي في الإمدادات.

في مثل هذه الحالات، لا تتحرك أسعار النفط فقط وفق الكميات المنتجة، بل وفق الاحتمالات. السوق لا تنتظر دائمًا أن يتوقف النفط كي ترفع السعر؛ فهي ترفع السعر عندما تتوقع أن النفط قد يتوقف. هذه هي طبيعة أسواق الطاقة في لحظات الحرب. فالبرميل لا يعكس تكلفة الإنتاج والنقل فقط، بل يعكس أيضًا تكلفة الخوف. وكلما زاد احتمال تعطّل الإمدادات، زادت علاوة المخاطر التي يضيفها المتعاملون إلى السعر.

وعندما اندلعت الحرب، كان أول أثر اقتصادي هو إعادة تسعير الطاقة. فالنفط أصبح أكثر حساسية للأخبار العسكرية، والغاز أصبح أكثر ارتباطًا بتوقعات الملاحة، والمخزونات الاستراتيجية عادت إلى الواجهة. ومع الهدنة، تراجعت الأسعار نسبيًا، لكن هذا التراجع لا يعني أن السوق عادت إلى طبيعتها. فالأسواق قد تهدأ في اليوم الأول، لكنها لا تنسى بسرعة أن الصراع وقع في منطقة يمكن أن تعطل جزءًا مهمًا من الإمدادات العالمية.

وتتخذ الخسارة في الطاقة أشكالًا متعددة. هناك خسارة في الكميات التي تأخر تصديرها أو تعطلت مؤقتًا. وهناك خسارة في الأسعار المرتفعة التي دفعها المستوردون أثناء التصعيد. وهناك خسارة في الكلفة الإضافية للتأمين والشحن. وهناك خسارة في المخزونات التي استُخدمت لتعويض النقص أو تهدئة السوق. وهناك أيضًا خسارة في ثقة المشترين الذين أصبحوا أكثر حذرًا في الاعتماد على الإمدادات القادمة من منطقة متوترة.

وإذا أخذنا تقديرات النقص في الإمدادات بملايين البراميل يوميًا، فإن الكلفة اليومية تصبح ضخمة. فكل مليون برميل يوميًا، عند سعر قريب من 80 دولارًا للبرميل، يعني قيمة يومية تقارب 80 مليون دولار. وإذا ارتفع النقص إلى عدة ملايين من البراميل، فإن القيمة اليومية المضطربة تصل إلى مئات الملايين. وعلى مدى أسابيع، تتحول هذه الأرقام إلى عشرات المليارات. وهذه ليست خسارة مباشرة بمعنى أن المال احترق، لكنها تمثل حجم الطاقة التي أصبحت موضع اضطراب، أو أُعيد تسعيرها، أو جرى تعويضها بكلفة أعلى.

والأخطر أن الطاقة ليست قطاعًا منفصلًا. فهي تدخل في كل قطاع آخر. ارتفاع النفط يرفع كلفة النقل. وارتفاع النقل يرفع أسعار الغذاء والسلع. وارتفاع أسعار السلع يعيد إشعال التضخم. والتضخم يدفع البنوك المركزية إلى التشدد. والتشدد يرفع كلفة الاقتراض. ومن ثم فإن جرح الطاقة لا يبقى في سوق النفط، بل ينتقل إلى جسد الاقتصاد كله.

مضيق هرمز.. من ممر ملاحي إلى مركز لتسعير الخطر

لا يمكن فهم الخسائر القريبة للحرب من دون التوقف عند مضيق هرمز. فهذا المضيق الصغير نسبيًا في الجغرافيا، الكبير جدًا في الاقتصاد، تحول خلال الحرب إلى ميزان يومي للمخاطر العالمية. عندما تتدفق السفن عبره بأمان، يشعر العالم بأن الطاقة متاحة. وعندما يضطرب المرور فيه، تبدأ الأسواق في إعادة حساب كل شيء: السعر، والتأمين، والمخزون، والشحن، والطلب، والفائدة، والنمو.

في الأيام التي تشتد فيها الحرب، يصبح المضيق أكثر من ممر مائي. يصبح مؤشرًا للتوتر. شركات الشحن تراقبه. شركات التأمين تراقبه. البنوك التي تمول التجارة تراقبه. الدول المستوردة للطاقة تراقبه. وحتى المستهلك العادي، وإن لم يسمع باسمه يوميًا، يدفع أثره في سعر الوقود والغذاء والنقل. لذلك فإن الخسارة الاقتصادية لا تنحصر في السفن التي مُنعت من المرور أو تأخرت، بل في كل العقود التي أُعيد تسعيرها بسبب الخوف من تعطل المرور.

ومع الهدنة، قد يبدأ المضيق في العودة التدريجية إلى النشاط الطبيعي، لكن كلمة "تدريجية" هنا مهمة للغاية. فالمرور البحري لا يعود إلى طبيعته بضغطة زر. هناك تقييمات أمنية، ومفاوضات تأمينية، وضمانات سياسية، وإجراءات بحرية، ومراقبة عسكرية، وإعادة جدولة للشحنات. وكل يوم يمر قبل اكتمال العودة يعني كلفة إضافية. السفينة التي تنتظر تكلف مالًا. الناقلة التي تغير مسارها تكلف مالًا. المخزون الذي لا يصل في موعده يكلف مالًا. وحتى القلق نفسه يكلف مالًا عندما يتحول إلى قسط تأمين أعلى.

** خبير إعلامي

الأكثر قراءة

z