عبيدلي العبيدلي**
وتتأثر الأسواق الناشئة بصورة خاصة. فهذه الأسواق تعتمد غالبًا على تدفقات رأس المال الخارجي، وتتأثر بارتفاع الدولار والفائدة العالمية. فإذا اجتمع عليها ارتفاع كلفة الطاقة مع ارتفاع كلفة الاقتراض وتراجع شهية المستثمرين للمخاطر، فإنها تواجه ضغطًا ثلاثيًا: فاتورة استيراد أعلى، وتمويلًا أغلى، وعملة أضعف. وهذا قد يفرض عليها سياسات تقشفية أو رفعًا للفائدة المحلية، مما يبطئ النمو ويزيد أعباء الشركات والأسر.
ومن هنا، فإن الهدنة السياسية لا تكفي لخفض كلفة التمويل فورًا. فالبنوك المركزية ستنتظر البيانات: هل انخفض التضخم؟ هل استقرت الطاقة؟ هل عادت الملاحة؟ هل تراجعت أقساط التأمين؟ هل صمد الاتفاق؟ إلى أن تحصل على أجوبة مطمئنة، سيظل الحذر النقدي قائمًا. وهذا الحذر نفسه يمثل كلفة اقتصادية قريبة.
النمو العالمي تحت ضغط الندبة الاقتصادية
الحرب لا تعني بالضرورة ركودًا عالميًا شاملًا، لكنها تعني غالبًا نموًا أضعف مما كان ممكنًا. وهذا في حد ذاته خسارة كبيرة. فعندما يتراجع النمو المتوقع من مستوى إلى آخر أقل، فإن الاقتصاد العالمي يفقد ناتجًا كان يمكن تحقيقه، وفرص عمل كان يمكن خلقها، واستثمارات كان يمكن تنفيذها، ودخولًا كان يمكن زيادتها.
تأتي خسارة النمو من عدة قنوات. أولها ارتفاع الطاقة، الذي يقلل الاستهلاك والاستثمار. ثانيها ارتفاع الشحن، الذي يضعف التجارة. ثالثها التضخم، الذي يضغط على القدرة الشرائية. رابعها الفائدة المرتفعة، التي تبطئ التمويل. خامسها ضعف الثقة، الذي يؤجل القرارات الاستثمارية. وسادسها إعادة بناء المخزونات وسلاسل الإمداد، وهي عملية مكلفة.
وقد لا تظهر هذه الخسائر كلها في أرقام شهر واحد، لكنها تظهر في الاتجاه العام. فالشركات تصبح أكثر تحفظًا. والحكومات تعيد ترتيب أولوياتها. والمستهلكون يقللون الإنفاق. والمستثمرون ينتظرون. وكل ذلك يؤدي إلى تباطؤ النمو.
وإذا كان الاقتصاد العالمي كبيرًا بما يكفي لامتصاص الصدمة، فإن الدول الضعيفة ليست كذلك. فالدول النامية والمستوردة للطاقة والغذاء ستتحمل أثرًا أكبر. وقد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء إلى زيادة الفقر، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، وإضعاف القدرة على تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية.
هذه هي الطبيعة غير العادلة للخسائر الاقتصادية في الحروب. فالصدمة قد تبدأ في منطقة محددة، لكنها لا تتوزع بالتساوي. فالدول الغنية تملك احتياطيات وأدوات دعم، والدول الفقيرة تملك خيارات محدودة. لذلك فإن أثر الحرب على النمو العالمي قد يكون متوسطًا في الأرقام العامة، لكنه قاسٍ جدًا في الاقتصادات الأكثر هشاشة.
الخليج بين عائد النفط وكلفة الخطر
قد يقال إن دول الخليج المصدرة للنفط يمكن أن تستفيد من ارتفاع الأسعار. وهذا صحيح جزئيًا. فارتفاع النفط قد يزيد الإيرادات إذا استمرت الصادرات. لكنه لا يلغي أن الحرب تفرض على الخليج كلفة خطر عالية. فالنفط المرتفع لا يصبح مكسبًا كاملًا إذا تعطل التصدير، أو ارتفعت كلفة التأمين، أو تراجعت ثقة المستثمرين، أو تعطلت السياحة والمؤتمرات، أو زادت الحاجة إلى الإنفاق الأمني.
لقد تغيرت اقتصادات الخليج كثيرًا خلال العقود الأخيرة. فلم تعد المسألة مجرد بيع نفط وتمويل موازنات. هناك مشاريع تنويع ضخمة، ومراكز مالية، ومناطق لوجستية، واستثمارات في السياحة والتكنولوجيا والصناعة والطاقة المتجددة. وهذه القطاعات تحتاج إلى الاستقرار، لا إلى ارتفاع النفط وحده. فالمستثمر في التكنولوجيا أو السياحة أو الخدمات المالية لا ينظر فقط إلى سعر البرميل، بل ينظر إلى صورة المنطقة بوصفها مكانًا آمنًا ومستقرًا وقابلًا للتوقع.
الحرب تضغط على هذه الصورة. فهي تذكر العالم بأن المنطقة، رغم تطورها العمراني والمالي والتقني، تقع بالقرب من أحد أهم خطوط التوتر في العالم. وهذا قد يدفع بعض المستثمرين إلى طلب عائد أعلى، أو تأجيل القرار، أو توزيع استثماراتهم على مناطق أخرى. وقد لا يحدث انسحاب واسع، لكن مجرد التأجيل أو إعادة التسعير يمثل خسارة.
كما أن شركات الطيران والسياحة والفعاليات قد تتأثر. فالمسافرون يترددون عند ارتفاع المخاطر. وشركات الطيران تعيد تقييم المسارات. وشركات التأمين ترفع كلفة التغطية. والمعارض والمؤتمرات قد تواجه تراجعًا في المشاركة أو ارتفاعًا في التكاليف. وهذه قطاعات مهمة في خطط التنويع الخليجي.
لذلك فإن التحدي الخليجي بعد الهدنة هو استعادة الثقة بسرعة. ليس فقط بإعلان أن الحرب توقفت، بل بإظهار أن الملاحة عادت، والموانئ تعمل، والأسواق مستقرة، والخدمات مستمرة، والمشاريع لم تتأثر. فنجاح الخليج في عبور هذه المرحلة سيحدد قدرته على حماية صورته الاقتصادية في المدى القريب.
إيران بين فرصة الهدنة وثقل الاقتصاد المنهك
تواجه إيران بعد الهدنة معادلة اقتصادية معقدة. فمن جهة، قد تفتح الهدنة بابًا لزيادة صادرات النفط، وتخفيف بعض القيود، وتحريك جزء من الأصول المجمدة، وجذب موارد لإعادة الإعمار. ومن جهة أخرى، يخرج الاقتصاد الإيراني من الحرب مثقلًا بالعقوبات، وتضرر البنية التحتية، وضعف العملة، والتضخم، وتراجع الثقة، وصعوبة التعامل مع النظام المالي العالمي.
الهدنة قد تمنح إيران فرصة، لكنها لا تمنحها تعافيًا فوريًا. فعودة النفط إلى السوق تحتاج إلى ناقلات، وتأمين، ومشترين، ومصارف، وترتيبات قانونية، وضمانات سياسية. وكل حلقة من هذه الحلقات قد تستغرق وقتًا. كما أن المستثمر الأجنبي لن يعود لمجرد أن الهدنة وُقعت. بل سيطلب وضوحًا بشأن العقوبات، واستقرارًا سياسيًا، وضمانات قانونية، وإمكانية تحويل الأرباح، وقدرة البنية التحتية على العمل.
أما داخليًا، فستواجه إيران مطالب اقتصادية عاجلة: إعادة إصلاح المنشآت المتضررة، ودعم العملة، والسيطرة على التضخم، وتوفير السلع، ومعالجة البطالة، وتمويل الاحتياجات الاجتماعية. وهذه كلها تحتاج إلى موارد كبيرة. وإذا لم تتحول الهدنة إلى انفراج اقتصادي ملموس، فقد يشعر المواطن الإيراني بأن الحرب توقفت عسكريًا، لكنها لم تتوقف معيشيًا.
كما أن رفع العقوبات أو تخفيفها، إن حدث، لن ينعكس فورًا على الاقتصاد. فالشركات الدولية التي خرجت أو تجنبت السوق الإيرانية ستتريث. والمصارف ستخشى المخاطر القانونية. وشركات التأمين ستطلب ضمانات. ولذلك فإن الاقتصاد الإيراني سيحتاج إلى فترة انتقالية قبل أن يستعيد جزءًا من نشاطه. وخلال هذه الفترة، ستظل الخسائر القريبة حاضرة في العملة، والأسعار، والاستثمار، والقدرة على إعادة البناء.
** خبير إعلامي
