عبيدلي العبيدلي
خبير إعلامي
الشحن البحري والتأمين… الضريبة غير المرئية للحرب
من أكثر الخسائر الاقتصادية القريبة وضوحًا، وإن كانت أقل ظهورًا في النقاش العام، خسائر الشحن والتأمين البحري. فالحرب لا ترفع سعر النفط فقط، بل ترفع سعر نقله. وكلما زادت المخاطر في البحر، زادت كلفة التأمين على السفن، وزادت كلفة الرحلات، وزادت رسوم المخاطر التي تفرضها شركات الملاحة، وارتفعت، بالتالي، أسعار السلع المنقولة.
التأمين البحري ضد مخاطر الحرب يعمل بطريقة بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة التأثير. عندما تكون المنطقة آمنة، يكون القسط محدودًا. وعندما تتحول المنطقة إلى ساحة خطر، يقفز القسط. وإذا كانت السفينة أو الناقلة قيمتها مئات الملايين من الدولارات، فإن أي ارتفاع بسيط في نسبة التأمين يتحول إلى ملايين الدولارات. فإذا ارتفع القسط من ربع في المئة إلى واحد أو اثنين أو ثلاثة في المئة من قيمة السفينة، فإن تكلفة الرحلة قد تتغير جذريًا. هذه الزيادة لا يدفعها مالك السفينة وحده. إنها تنتقل عبر السلسلة كلها. شركة الشحن ترفع السعر على التاجر. التاجر يرفع السعر على المستورد. المستورد يرفعه على الموزع. والموزع يرفعه على المستهلك. وهكذا تتحول الحرب إلى زيادة في سعر الأجهزة، والملابس، والمواد الغذائية، وقطع الغيار، والمواد الصناعية، وربما حتى الأدوية والمعدات الطبية.
ولا تقف المشكلة عند التأمين. فالشحن نفسه يصبح أكثر كلفة بسبب ارتفاع الوقود، وتغير المسارات، والتأخير في الموانئ، والحاجة إلى إجراءات أمنية إضافية. وإذا اضطرت السفن إلى تفادي مناطق معينة أو الانتظار للحصول على تصاريح وضمانات، فإن زمن الرحلة يطول. والزمن في التجارة يعني مالًا. فكل يوم تأخير يعني بضائع لم تُبع، ومخازن لم تُفرغ، وخطوط إنتاج قد تتوقف، وعقودًا قد تتأخر.
ومن هنا، فإن الحرب تفرض ما يمكن تسميته "ضريبة الخطر البحري". وهي ضريبة لا يقررها البرلمان، ولا تعلنها الحكومات، لكنها تظهر في الفواتير. إنها جزء من تكلفة الحرب غير المباشرة. وقد تستمر هذه الضريبة حتى بعد الهدنة، لأن شركات التأمين لا تعود عادة إلى الأسعار القديمة فورًا. فهي تنتظر أن ترى استقرارًا فعليًا، لا مجرد إعلان سياسي. وتنتظر أن تتأكد من أن المضيق يعمل، وأن السفن تمر، وأن الحوادث لم تتكرر، وأن الأطراف المتحاربة ملتزمة بالتهدئة.
لذلك، فإن الأسابيع والأشهر الأولى بعد الهدنة ستظل مكلفة بحريًا. قد تنخفض الأقساط تدريجيًا، لكنها ستظل أعلى من مستويات ما قبل الحرب. وقد تتحسن حركة الشحن، لكنها ستظل محكومة بالحذر. وهذا يعني أن الأسعار النهائية للسلع ستظل تحمل جزءًا من كلفة الحرب حتى بعد توقفها العسكري.
التضخم
أحد أخطر آثار الحرب القريبة هو عودة التضخم أو تأخير هبوطه. فقد كان العالم قبل الحرب يحاول السيطرة على موجة تضخمية طويلة. ومع أن بعض الاقتصادات بدأت ترى مؤشرات تحسن، فإن الحرب أعادت فتح الجرح. فارتفاع الطاقة والشحن والتأمين يضغط مباشرة على الأسعار، ويجعل التضخم أكثر صعوبة في الانخفاض.
التضخم الناتج عن الحرب يختلف عن التضخم العادي. فهو لا يأتي من زيادة الطلب فقط، بل من صدمة في العرض والكلفة. عندما يرتفع سعر النفط، ترتفع كلفة النقل. وعندما ترتفع كلفة النقل، ترتفع كلفة الغذاء والسلع المستوردة. وعندما ترتفع كلفة التأمين، ترتفع كلفة التجارة. وعندما ترتفع كلفة التجارة، ترتفع أسعار المستهلك. هكذا تتحول الحرب إلى سلسلة تضخمية متدرجة.
المشكلة أن هذه السلسلة لا تنعكس بسرعة عندما تهدأ الحرب. فإذا انخفض النفط بعد الهدنة، لا تنخفض الأسعار في الأسواق بالوتيرة نفسها. الشركات قد تكون اشترت مخزونًا بسعر مرتفع. عقود الشحن قد تكون وُقعت بأسعار مرتفعة. الموردون قد يكونون رفعوا هوامشهم تحسبًا للمخاطر. والحكومات قد تكون زادت الدعم أو الضرائب أو الرسوم لتعويض الخلل. لذلك يبقى التضخم "لزجًا"، أي إنه يهبط ببطء.
وتكون الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط الأكثر تضررًا. فهذه الأسر تنفق نسبة أكبر من دخلها على الغذاء، والنقل، والكهرباء، والسكن، وهي القطاعات التي تتأثر بسرعة بالطاقة والشحن. لذلك فإن الحرب، حتى وإن بدت بعيدة جغرافيًا، تدخل إلى حياة الناس اليومية من خلال فاتورة الوقود، وسعر الخبز، وكلفة المواصلات، وأسعار السلع الأساسية.
وفي الدول المستوردة للطاقة، يصبح الأثر أشد. فارتفاع أسعار النفط يضغط على العملة، ويزيد عجز الميزان التجاري، ويرفع كلفة الدعم، إن وجد. وإذا اختارت الحكومة تمرير السعر إلى المستهلك، زاد الضغط الاجتماعي. وإذا اختارت امتصاصه عبر الدعم، زاد الضغط على الموازنة. وفي الحالتين، تدفع الدولة والمواطن كلفة الحرب.
لا تبقى الحرب في الموانئ والأسواق؛ إنها تصل إلى المصارف والبنوك المركزية. فعندما ترتفع أسعار الطاقة ويعود التضخم، تصبح البنوك المركزية أكثر حذرًا في خفض أسعار الفائدة. وقد تجد نفسها مضطرة إلى تثبيت الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو حتى رفعها إذا رأت أن التضخم لم يعد مؤقتًا.
إطالة عمر الفائدة المرتفعة
هذا يعني أن الحرب، حتى بعد توقفها، قد تطيل عمر الفائدة المرتفعة. وهذه واحدة من أخطر الخسائر القريبة. فالفائدة المرتفعة ليست رقمًا فنيًا في بيانات البنوك المركزية. إنها تؤثر في كل شيء تقريبًا: كلفة قروض الحكومات، وتمويل الشركات، والقروض العقارية، وبطاقات الائتمان، والاستثمار الصناعي، والتوسع التجاري، وتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة.
عندما ترتفع الفائدة أو تبقى مرتفعة، تؤجل الشركات التوسع. والمستثمرون يطلبون عائدًا أعلى. والحكومات تدفع أكثر لخدمة ديونها. والأسر تقلل الاقتراض والاستهلاك. والمشاريع العقارية تتباطأ. والشركات الناشئة تجد صعوبة في الحصول على التمويل. وهكذا تتحول الحرب إلى عامل تباطؤ اقتصادي، حتى في الدول التي لم تشارك فيها مباشرة.
