د. عبدالله باحجاج
سلطنة عُمان دولة لا تُقاس ولا تُقارن، وهذا ليس معناه أنها خارج معايير التقييم، أو أننا نتباهى بالاستفراد بالأفضلية المطلقة، وإنما نقصد هنا أن لها خصوصية تاريخية وحضارية وسياسية وفكرية تجعلها في مركزية صناعة وقيادة الأفكار والمبادرات التي تحمل البشرية إلى ما يُجمع عليه، وتحييد المُختلَف عليه.
ونقصد كذلك أن مسقط لا تنحاز لردود الفعل المثيرة والمُستفِزة، ولا تسمح لفرد أو جماعة أو دولة أن يُخرجها عن سَمْتها المعروف عنها، مثلما حدث إبان الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وربما حتى الآن، إنها -أي مسقط- دائمًا تُغلِّب العقلانية والواقعية في أفعالها وردود فعلها، وتستمد ذلك من مجموعة خصوصيات؛ أبرزها: مسارها التاريخي؛ حيث تشكَّلت من تجربة تاريخية مختلفة عن كثير من دول المنطقة، من حيث العمق الوجودي والتاريخي، والامتداد البحري، والتواصل الحضاري مع آسيا وشرق إفريقيا، ومن حيث خصوصية الموقع وانعكاساته على داخلها وعلاقاتها الإقليمية والدولية؛ فقد تبنَّت نهجًا يقوم على التوازن والحوار وبناء الجسور، ومن حيث خصوصية النسيج الاجتماعي؛ حيث ساهم التنوع الجغرافي والثقافي وعلاقات السلطنة بما وراء البحار في تكوين نموذج من التعايش والاستقرار الاجتماعي والفكري المستدام.
هنا تكمن قوة مسقط، وهي قدرتها على الحفاظ على هويتها وتماسكها الداخلي ومسارها المُتوازن وسط بيئة إقليمية ودولية مُتقلِّبة تغلب عليها الحروب والصراعات أكثر من التعايش؛ وهي قدرة متنامية بآفاق غير محدودة ومفتوحة وغير متوقعة، مثلما فاجأت مؤخرًا عندما بادرت بطرح "خطة مسقط" لتعزيز دور القادة التقليديين في منع النزاعات ومكافحة الكراهية، وهي تحاول جمع البشر، رغم اختلاف أديانهم وثقافاتهم وأعراقهم ومصالحهم، على المبادئ والقيم الإنسانية التي يتفقون عليها، مثل: الكرامة الإنسانية، والعدالة، والاحترام المتبادل، والتسامح، والتعاون، والرحمة، والمسؤولية تجاه المجتمع والبيئة، والسعي للسلام والاستقرار والتنمية. بمعنى آخر، أن مسقط تحاول مع مجموعة من الدول بناء أرضية أخلاقية جماعية تقف عليها البشرية جمعاء.
التوقيت له الكثير من الدلالات؛ أبرزها سياسية وأخلاقية؛ إذ إن "خطة مسقط" للتعايش تظهر من رحم انفجار الصراعات المجنونة في أكثر من منطقة إقليمية، آخرها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي لا تزال هواجسها ومخاوفها قائمة رغم التوقيع على مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، كما لا تزال الحرب الروسية والأوكرانية قائمة، واحتمالات تصعيدها أكثر من تهدئتها، واستمرار المجازر الإسرائيلية في غزة. وفي هذه الصراعات، اختفت كل القيم والمبادئ بسبب الإفراط في استخدام القوة، وأصبح من كثرة سقوط الدماء الجماعية في تلك الحروب أن يمر خبر مقتل فرد أو أسرة لا يختلف كثيرًا عن مشهد سحق نملة تحت القدم.
من تلكم المُعطيات تخرج المبادرة الإنسانية العُمانية توقيتًا وإنسانًا لحمل البشرية إلى الخطوة الإيجابية التالية بعد هذه الحروب، واستعادة قدسية الإنسان في الحياة، وحتى لا تسود الكراهية التي لا تحرق خصومها فحسب، بل تلتهم المجتمع بأكمله، وهو الأثر المحتمل للمرحلة التالية لتلك الحروب والصراعات، إذا لم يكن هناك بديلًا. و"خطة مسقط" هي البديل، وتُركِّز على القادة التقليديين والشعوب الأصيلة لمكافحة الإرهاب والتصدي لخطاب الكراهية.
وتستوقفنا هنا رهانات الخطة على القادة التقليديين والشعوب الأصيلة، واجتهادًا منَّا، نذهب إلى القول إن "خطة مسقط" للتعايش تعتمد على الجهات التي اعتادت أن تؤدي أدوارًا مؤثرة في المجتمع والعلاقات الدولية قبل ظهور القادة الجدد المرتبطين بالتكنولوجيا والشبكات العابرة للحدود، وعندما تُشرِك الخطة الشعوب الأصيلة؛ فهذا يعني أن التعايش يحتاج إلى قبول اجتماعي وأيديولوجي، وليس حصريًا قرارات حكومية. وهنا يتجلى لنا لماذا تراهن "خطة مسقط" على القادة التقليديين والشعوب الأصيلة؛ ذلك لأنها الأوعى بالقيم الإنسانية، وأنها تمثل الأطراف الأولى التي ينبغي أن تتحمل المسؤولية الآن.
وإذا ما أمعنَّا التأمل في "خطة مسقط" للتعايش، سنجد منطقتنا الإقليمية الأَوْلى بتطبيقها بعدما تركت الحرب المُدمِّرة وراءها دمارًا شاملًا وقتلى ونفسيات مُنتِجة للكراهية، وهنا نقترح أن تنطلق الخطة أولًا بمنهج إقليمي يُرسِّخ التعايش بين الدول والشعوب، ثم الانتقال، بعد نجاحها بثقة، إلى العالمية، أو على الأقل في خط متوازٍ بين الإقليمية والعالمية، فكلا المحيطين يحتاجان الآن لـ"خطة مسقط"، وكل الظروف والمعطيات مهيأة لنجاحها، والفهم الصحيح للخطة ليس أنها دعوة للتسامح، وإنما نعتبرها مشروعًا لصناعة ثقة مستدامة بين الشعوب والدول. وهنا نجد دور سلطنة عُمان مُلحًّا لبناء الثقة بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، مع إشراك القوى الإقليمية المؤثرة، مثل: تركيا، ومصر، والعراق، واليمن، ولبنان، في مسيرة هذا البناء. وهنا تملك مسقط رصيدًا دبلوماسيًا وخبرات تراكمية تؤهلها للقيام بهذا الدور الإقليمي، وهذا ينبغي القيام به عاجلًا، بحيث يتناغم مع مسار المفاوضات الراهنة بين أمريكا وإيران؛ فأي اتفاق سياسي يخرج عن هذه المفاوضات لا بد أن يدعمه اتفاق بناء الثقة بين الشعوب والدول.
وهنا نقترح إنشاء منتدى مسقط للأمن والثقة الإقليمية، على أن ينعقد سنويًا ويجمع دول مجلس التعاون الخليجي وإيران وتركيا ومصر والعراق واليمن ولبنان، مع مشاركة خبراء دوليين؛ ليكون منصة للحوار حول بناء الثقة بين الشعوب والحكومات، والتكامل الاقتصادي، وأمن الممرات، ومكافحة الإرهاب والجريمة المُنظَّمة، وسيكون لذلك انعكاسات إيجابية كبرى على العالم كله. وكما يقول أحد الخبراء، إن المنطقة لا تحتاج إلى تحالفات جديدة بقدر ما تحتاج إلى هندسة جديدة للثقة. وبعد الحرب أصبحت التنمية هي الرهان المشترك بدلًا من أن تكون الأزمات هي السائدة.
