د. صالح الفهدي
ارتفاع عدد حالات الطلاق العام الماضي (2025) إلى 5000 حالة في مجتمعٍ منخفض التعداد، كمجتمعنا العُماني، يُعدُّ أمرًا غير طبيعي. وعلى ذلك، فالمجتمع، بما فيه من علماء ومفكرين ومصلحين اجتماعيين، ومؤسسات حكومية وأهلية، عليه أن يستنفر قواه وجهوده لعلاج هذا الأمر الخطير وغير الصحي إطلاقًا، ولا يكتفي بالتفرُّج عليه دون أيَّ مبادرة فاعلة تُسهم في خفض الأسباب المؤدية إلى الطلاق، ومعالجتها بحكمة.
المعلوم أن الرأي الفقهي العام يقر بأنَّ الطلاق يقع إذا تلفَّظ به الزوج، ولو لم يكن أمام قاضٍ أو شهود، ما دام الطلاق صدر من زوج عاقل. لكنني أطرح أسئلةً للنقاش حولها هنا للمؤيدين للطلاق الشفهي: هل يتلفَّظ هذا "الزوج العاقل" بكلمة "طالق" وعقله حاضر، ونفسه هادئة، أم أنه منفعل العقل، طائش اللُّب، منفلت الأعصاب، أعماه الغضب، وذهب الحمق ببصيرته؟!
هل تدرَّج المطلِّق، الذي تلفَّظ بالكلمة، فيما شرعه الدين الإسلامي من خطواتٍ حتى وصل إلى استحالة الحياة الزوجية؟ هل أحاط هذا الزوج المطلق علمًا وإدراكًا بتبعات قراره؟
إنَّ لي رأيًا في مسألة الطلاق، مستندًا إلى رأي عدد من العلماء في معالجة الطلاق بعد أن رأوا أن الطلاق أصبح "أُلعوبة" في يد بعض الرجال، وأنَّ هذه الأمانة التي أُمِّنوا إيَّاها قد أساءوا استخدامها. هذا الرأي الذي أتبنَّاه، وأرجو أن يُنظر له باعتبارٍ واعٍ، هو: أنَّه إذا كان الزواج يتم وفق شهودٍ عدول، وعقدٍ رسمي، فأحرى أن يتبع الطلاق الإجراءات ذاتها، ولا يُعتدُّ بلفظةٍ شفهيَّةٍ أو رسالةٍ نصيةٍ عبر هاتفٍ تُقال في لحظة طيشٍ، أو انفعالٍ، أو غضبٍ، فتهدم أركان بيتٍ، وتشتِّت أسرةً، وتحكم على مصير أبناءٍ بالتشرذم طوال حياتهم، ولعمري، ليس هذا مقصد الإسلام الذي يحرص أشدَّ الحرص على وحدة وأمن المجتمع، وثبات أركان البيوت، وعلى استقرار الأُسرة، وعلى المبادرة لعلاج مشكلاتها.
لقد تبنَّى عدد من العلماء والمفكرين المعاصرين هذا الاتجاه الذي يدعو إلى تضييق دائرة الطلاق الشفهي، وإعطاء القضاء دورًا أكبر في إيقاع الطلاق أو توثيقه، حمايةً للأسرة ومنعًا للتسرع في تفككها، وهدم أركانها. ومن أشهر من نُسب إليهم هذا الاتجاه: الإمام محمد عبده (1849-1905)، الذي عُيِّن مفتيًا للديار المصرية عام 1899؛ حيث يوضِّح رأيه بالقول: "مع ظهور الفساد في الأخلاق والضعف في العقول وعدم المبالاة بالمقاصد؛ فلِمَ لا يجوز أن يؤخذ بقول بعض الأئمة من أن الاستشهاد شرط في صحة الطلاق، كما هو شرط في صحة الزواج، كما تُشير الآية في سورة الطلاق التي جاء في آخرها: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)". ويضيف الإمام محمد عبده في المجلد الثاني من أعماله الكاملة: «أليس هذا أمرًا صريحًا يُجبرنا على وجود شهود في الطلاق، واعتبار ذلك ركنًا، بدونه لا يكون الطلاق صحيحًا، فيمتنع بهذه الطريقة هذا النوع الكثير الوقوع من الطلاق (الشفهي) الذي يقع الآن بكلمة خرجت عن غير قصد ولا رويَّة في وقت غضب».
كذلك تبنَّاه الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر الأسبق (1917-1996)، الذي طالب أن يكون الطلاق، مثل الزواج، لا يتم إلَّا بحضور شاهدين وبوثيقة رسمية، كما تبنَّى هذا الرأي الشيخ محمد الغزالي (1917-1996)؛ إذ قال في كتابه «قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة»: «أضمُّ صوتي إلى من رفض الطلاق الذي ليس عليه إشهاد، فالشاهدان لا بد منهما لقبول العقد والرجعة والطلاق على سواء، وخير لنا نحن المسلمين أن نقتبس من تراثنا ما يصون مجتمعنا ويحميه من نزوات الأفراد».
في يومٍ من الأيام زرتُ الأحداث (تشير هذه اللفظة إلى الذين لم يبلغوا سن الرشد القانونية، عادةً تحت سن الثامنة عشرة، ويُستخدم المصطلح غالبًا عند الإشارة إلى فئة صغار السن الذين يرتكبون سلوكيات مخالفة للقانون فيما يُعرف بجنوح الأحداث، أو الذين يحتاجون إلى رعاية وحماية خاصة)، وهؤلاء الأطفال هم ضحايا الإهمال الناتج، في أغلبه، من جرَّاء انهيار البيوت بالطلاق، فقلت لهم أول ما قلت: "إنكم هنا لأننا لم نقم بواجبنا نحوكم". وكان قصدي من وراء هذه العبارة أننا، كمجتمع، لم نقم بالدور المسؤول الذي يحمي البيوت من الانهيار، بل اكتفينا بالتفرُّج -غالبًا- على حالات الطلاق المتزايدة، وما ينتج عنها من تبعات تمس أمن المجتمع.
إنَّ إثبات الطلاق بالعقد والشهود، دون الاعتداد بالطلاق الشفهي، سيُضيِّق حالات الطلاق التي استسهلها البعض، ولنتصوَّر أن شابًّا أراد الطلاق، ووجب عليه أن يرفع الأمر إلى قاضٍ مصلح، حينها يقول له ناصحًا: "يا بُني، سأمنحك فرصة أسبوع أو أسبوعين لتفكِّر فيها وتعود إليَّ". هذه الفترة ستكون كفيلة بتهدئة خواطره الهائجة، وإخماد رغبته الثائرة، والتفكير في مستقبل زواجه، ومستقبل أبنائه إن كان له أبناء، فإذا عاد، شرع القاضي في نصحه، وكثير من القضاة هم ناصحون عدول، إذ يخبرني أحد القضاة أنه حين تعرض عليه قضية زوجين، ينقلها من القاعة إلى مكتبه ليتحدث إليهما في هدوء، فاستطاع أن يحل أغلب القضايا بالتوفيق بين الزوجين، وهذه حجَّةٌ مساندة للرأي الذي طرحته في مسألة الطلاق.
إنَّ الغاية السامية للإسلام هي في تماسك أركان المجتمع، وحفظ الأسرة من التشرذم، والحرص على بقائها كيانًا واحدًا متماسكًا؛ لأنها نواة المجتمع، ويكمن فيها صلاحه أو فساده. وعلى ذلك، فإنه لا يسعد باتساع رقعة الطلاق، ولا بارتفاع حالات الطلاق فيه، وهنا يتوجَّب تغيير النظرة إلى السائد من الأحكام ارتهانًا لحتمية التغيير، ولتغير الظروف الاجتماعية وتقلباتها.
وإذا كان الرأي المطروح مهمًّا في تضييق حالات الطلاق، إلَّا أنَّ هناك أسبابًا اقتصاديةً تتعلَّق بضعف القدرة على الإنفاق، والتسريح من العمل، وأعباء الديون الناتجة عن الزواج، وأسبابًا اجتماعيةً ترتبط بضعف الثقافة، وعدم إدراك مفهوم الزواج وتبعاته، وأسبابًا شخصيةً في ضعف المبادئ المتعلقة باختيار الشريك المناسب.
كل هذه الأسباب يفترض أن يعالجها المجتمع بجميع أفراده ومؤسساته معالجةً جذريةً بالطرق التشريعية والقانونية والوعظية، حتى تنخفض حالات الطلاق، وتقوى أركان المجتمع، وينعم أفراده بالاستقرار.
