د. علي موسى الكناني **
في منطقة اعتادت على الأزمات المتلاحقة والصراعات الممتدة، برزت سلطنة عُمان كواحدة من الدول القليلة التي تمكنت من الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة، قائمة على الحوار والوساطة وتجنب الانخراط في الاستقطابات الحادة. وعلى مدى عقود، استطاعت مسقط أن تبني لنفسها مكانة خاصة في المشهد الإقليمي والدولي، مستندة إلى نهج دبلوماسي هادئ جعل منها جسرًا للتواصل بين الأطراف المتخاصمة ومنصة موثوقة للوساطات السياسية.
لا تقوم الدبلوماسية العُمانية على مبدأ الحياد السلبي أو الابتعاد عن القضايا الإقليمية، بل على الحياد الإيجابي، الذي يُتيح لها الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى المتنافسة، مع الاستمرار في لعب دور فاعل في تقريب وجهات النظر واحتواء الأزمات. وقد أثبتت هذه السياسة فعاليتها في العديد من المحطات المفصلية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.
ويعود نجاح النهج العُماني إلى إدراك مبكر بأن الأمن والاستقرار لا يتحققان من خلال الاصطفافات الحادة أو المواجهات المباشرة، وإنما عبر بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة وفتح قنوات للحوار حتى في أصعب الظروف. لذلك حرصت السلطنة على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين، وهو ما منحها قدرة فريدة على أداء أدوار الوساطة عندما تتعثر المسارات السياسية التقليدية.
وفي ظل التوترات التي شهدها الشرق الأوسط، سواء المرتبطة بالأزمات الإقليمية أو المنافسة بين القوى الكبرى، حافظت سلطنة عُمان على نهجها القائم على التهدئة وخفض التصعيد. وقد ساهم هذا التوجه في تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال توفير مساحات للحوار والتفاوض بدلًا من الانزلاق نحو المواجهات العسكرية.
كما تميزت الدبلوماسية العُمانية باعتمادها مبدأ الدبلوماسية الوقائية، التي تهدف إلى معالجة أسباب التوتر قبل تحولها إلى نزاعات مفتوحة. وهذا النهج يعكس رؤية استراتيجية تعتبر أن منع الأزمة أكثر جدوى وأقل كلفة من التعامل مع تداعياتها بعد اندلاعها. لذلك غالبًا ما تركز التحركات العُمانية على تقريب المواقف وتسهيل التفاهمات وبناء الثقة بين الأطراف المختلفة.
وتكتسب هذه السياسة أهمية متزايدة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، حيث تواجه المنطقة تحديات معقدة تشمل النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والتهديدات العابرة للحدود. وفي مثل هذه البيئة، تبدو الحاجة ملحّة إلى نماذج دبلوماسية قادرة على بناء التوافقات بدلًا من تعميق الانقسامات، وهو ما جعل التجربة العُمانية محلّ اهتمام وتقدير في العديد من المحافل الدولية.
إنَّ نجاح سلطنة عُمان في الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وفي الإسهام بجهود التهدئة وتسوية الخلافات، يؤكد أن الدبلوماسية الهادئة ما زالت قادرة على تحقيق نتائج مؤثرة في عالم تزداد فيه التوترات. فبينما تراهن بعض الدول على أدوات القوة الصلبة، تواصل مسقط الاستثمار في قوة الحوار والثقة والوساطة، وهي أدوات أثبتت قدرتها على تجنيب المنطقة الكثير من الأزمات وتعزيز فرص الاستقرار.
وفي وقت تتصاعد فيه التحديات الإقليمية، تبقى الدبلوماسية العُمانية نموذجًا عربيًا بارزًا في إدارة الخلافات وتجنب الحروب، مستندة إلى رؤية واقعية تؤمن بأن السلام المستدام يبدأ من الحوار، وأن الاستقرار الإقليمي لا يمكن تحقيقه إلّا عبر بناء الجسور بين الخصوم بدلًا من توسيع هوة الخلافات بينهم.
** باحث استراتيجي مختص بالأمن السيبراني
