عبدالخالق محمد آل عيسى
منذ الوهلة الأولى لأحداث مضيق هرمز التي نتجت عن الحرب في المنطقة، صدرت مواقف متعددة ومتباينة حول المضيق ومسار الأمور حوله، فتدرجت المواقف تصاعديًا في ظل شبه صمت رسمي عُماني، أوّله الكثيرون بمختلف أنواع التأويلات، وفق تحليلات لم تبتعد عن الشد والجذب السياسي والاجتماعي الذي أحاط بالحرب بمجملها.
تصريحات رسمية.. تأويلات إعلامية بلا أثمان
مع تكاثر الحديث حول مسألة العبور، وورود اسم عُمان بين السطور في تصريحات العديد من الساسة والبيانات الرسمية وغيرها، لزمت السلطنة صمتًا عميقًا تخللته تصريحات مبهمة للعامة وللعديد من الساسة بالمنطقة والعالم، وعاها من تعمّق في دراسة أسلوب إدارة السياسة العُمانية في المنطقة والعالم. وقد تسبب ذلك في بروز انتقادات حادة أحيانًا لهذه السياسة من دون توجيه أصابع الاتهام المباشر لها إلا في ما ندر.
ووصلت تلك الانتقادات إلى أوجها بتغريدة نارية للرئيس الأمريكي ضجّت لها ليس فقط وسائل الإعلام المختلفة بالمنطقة، بل انتشرت ووصل صداها إلى أغلب وسائل الإعلام والتواصل بالعالم، وأصبحت مادة دسمة للنقاش حتى داخل الإعلام والصحافة الأمريكية نفسها، ولم تغب عنها أروقة مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين؛ مما تسبب بهزة داخل الإدارة الأمريكية في صورة عكست الثقل الدبلوماسي للسياسة العُمانية والعمق التاريخي للعلاقة المتينة التي تربطها مع دول العالم بشكل عام، والتي بُنيت -على سبيل المثال- على مدى سنوات ضاربة في عمق زمني لأكثر من قرنين من العلاقات بين سلطنة عُمان وأمريكا، مما خفف من أثر تلك التغريدة ونزع مفاعيل أي إجراءات توقعها بعض المحللين في عدة قنوات على ساحتنا العربية وغيرها.
الحنكة العُمانية.. محاكاة الواقع بتوازن فريد
منذ البداية، كان الموقف العُماني يعبّر عن ذاته التي عهدها الجميع، والمتمثل بالحياد الإيجابي والوساطة بكل كتمان، مع تصريحات متباعدة حول ضرورة إبقاء المضيق مفتوحًا أمام الملاحة الدولية، وأن السلطنة وقّعت وصادقت على الاتفاقيات الدولية بهذا الشأن، وضرورة عدم فرض رسوم عبور. وكان لعدم إظهارها ردات فعل مباشرة على تلك التصريحات المتداولة -التي تناولت اسم عُمان كثيرًا حول موضوع المضيق- أثرٌ في بناء البعض لمواقف سلبية إعلاميًا تجاه ما ظنوه خطًا صمتًا يعني قبول الساسة العُمانيين بما حوته بعض تلك التصريحات من سيناريوهات وترتيبات لمستقبل المرور بالمضيق.
في ظل الوساطة المعلقة.. دبلوماسية الحلول مستمرة
منذ بداية الأزمة، حيّدت سلطنة عُمان نفسها عن دور الوساطة المباشرة، واتخذت دورًا خلف الستار في صمت إعلامي مطبق ظنه البعض تراجعًا دراماتيكيًا لدور الدبلوماسية العُمانية، إلا أن تدرج الأحداث وتتابعها بيّنا أن سلطنة عُمان أضحت طرفًا فرضته الجغرافيا والتاريخ شاءت أم أبت، وكان لا بد لها أن تأخذ دورها فيه بلا أي تردد. فالأمر ما عاد وساطة بين طرفين أو أطراف يحتاجون إلى تقريب وجهات النظر ووسيط يفك الاشتباك بمختلف أنواعه، بل تحول إلى أمر يطال جزءًا سياديًا يتفاوض حوله المتخاصمون.
وهنا أطلت الحكمة العُمانية، بالتمسك بحقها الشرعي والطبيعي من ناحية، وفي ذات الوقت كوسيلة فتحت باب وساطة غير مباشرة يمكنها أن تؤدي إلى خفض التصعيد وتراجع سقف المطالب والعودة لمنطق الواقع في سبيل الوصول إلى حلول مرضية؛ فمسألة مضيق هرمز خرجت عن مسارها المعتاد إلى واقع جديد مغاير يستلزم تأسيس نظام جديد فرضته الظروف والوقائع التي يسقط معها كل ما خلا من أعراف.
وبحكمة معهودة، استطاعت عُمان خفض سقف المطالب من "رسوم عبور" إلى "رسوم خدمات"، والفرق هنا شاسع جدًا بين المفهومين ماليًا ولوجستيًا. وبدأت بوادر تبدل في المشهد السياسي حول نوع السيطرة التي ستحكم المضيق، وتحويلها من سيطرة سياسية إلى تحكم إداري يفرض إجراءات ضمن إطار القوانين البحرية الدولية والاتفاقات الإجرائية التي تسهم في نزع فتيل الأزمة، ناهيك عن سعيها لضمان التعاون المحلي والدولي لتسهيل عودة المرور الآمن ضمن ضوابط محددة شاملة تعيد الحيوية لهذا الممر، وتسهم في تخفيف الضغط الاقتصادي الحرج الذي طال العالم بسبب فترات الإغلاق، مما شكل انفراجة سريعة انعكست على الأسعار في قطاعات اقتصادية عديدة.
رسوم الخدمات.. حقوق وواجبات
لطالما قدمت سلطنة عُمان خدمات متعددة وتكلفت مصاريف عديدة ناشئة عن استعمال هذا المضيق الحيوي العالمي، وهذا الأمر ينطبق بالتالي على الطرف المقابل للمضيق. ولا يخفى على أحد أن هناك مجموعة طويلة من الخدمات اللوجستية والدعم والتكاليف الأخرى تنتج عن استخدام آلاف السفن بمختلف الأحجام والأنواع، وتشمل: إدارة وصيانة وتوفير مختلف أدوات ومعدات وكادر الإرشاد، والرقابة، والدعم، والإنقاذ، وما يتطلبه ذلك من أعمال وأعباء إدارية تشارك بها عدة هيئات وإدارات. ويتطلب الأمر اليوم تخصيص جهة تجمع ما يُقدّم تحت مظلة واحدة وضمن قالب تشريعي محدد، وكل هذا ضمن ثمن حددته الأعراف الدولية منذ تأسيسها، وإرتأت السلطنة سابقًا عدم المطالبة به لأسباب عديدة انتفى غالبيتها الآن.
الخلاصة: وساطة غير مباشرة.. حكمة متأصلة
عادت سلطنة عُمان لتثبت أنه على الرغم من عدم ظهورها كوسيط مباشر في الأزمة الحالية، ومحاولة البعض جعلها طرفًا متهمًا يصطف في جانب دون آخر، إلا أنها بحكمتها الفريدة، وهدوئها المميز، وصمتها الدبلوماسي المعهود، ووعيها ببواطن الأمور، أثبتت مرة أخرى أنها فاعلة مهما كانت الظروف المحيطة أو الضغوط الممارسة، وأن دورها قائم ومهم للجميع بغض النظر عن المواقف الآنية التي يمكن أن تنتج عن أي سبب طارئ أو مخطط استباقي؛ فالدبلوماسية العُمانية أثبتت للعالم أنها باقية كصمام أمان يملك مفتاح المنفذ عندما تتعقد المسارات وتُغلق كافة الأبواب.
