مسقط- أسيل الحضرمية
لا تبدو خرائط الشرق الأوسط اليوم كما كانت تُصوّر بالأمس، فالحرب لم تعد ساحة معركة تتمثل في المعارك التقليدية التي تُحسم بالدبابات والطائرات، بل أصبحت فضاءً موازيًا تستخدم فيه المسيّرات الرخيصة وحروب البيانات وصراعات تتعلق بالسمعة والتأثير، وهذا ما أجمع عليه المحللان سالم بن حمد الجهوري وأحمد محمد نور الشيزاوي، خلال جلسة حوارية أدارها طالب العلوم السياسية عبدالرحمن الخزيري، من مبادرة "سائس" المُرخَّصة من وزارة الثقافة والرياضة والشباب؛ إذ حمل النقاش في طياته قراءةً استثنائية لتحولات المشهد الإقليمي من زوايا عسكرية واقتصادية ودبلوماسية تتجاوز حدود التحليلات المعتادة.
حين تهزم المسيّرةُ البارجةَ
يتناول سالم الجهوري مشهدًا لافتًا يعكس التحول العسكري الذي أحدثته إيران؛ حيث لم تعتمد طهران على التفوق العسكري التقليدي، بل تبنت استراتيجية تعتمد على استنزاف المنظومات الدفاعية لخصومها عبر استخدام مسيّرات منخفضة التكلفة لا تتجاوز قيمتها أربعمئة دولار في مواجهة صواريخ اعتراض تُقدَّر بالملايين. ويستعرض الجهوري كيف تمكنت إيران من اختراق شبكات إلكترونية معقدة، بما فيها منظومات داخل حاملة طائرات أمريكية، مما أدى إلى عودة قادتها إلى البوصلة والخرائط الورقية. "لأول مرة نعود لاستخدام البوصلة في البحر"، يسترجع الجهوري نقلًا عن أحد القادة، مُعلّقًا بأن هذا الحدث يكشف عن نقلة نوعية في مفهوم الحرب الحديثة.
ويُضيف أحمد الشيزاوي رؤية تحليلية مختلفة؛ مشيرًا إلى أن نجاح إيران لم ينبع من امتلاكها تقنيات متقدمة، بل من براعتها وذكائها في توظيف ما هو متاح. فالحصار الطويل الذي فُرض عليها لعقود دفعها لاعتماد نهج الاكتفاء الذاتي، مما مكنها من تصنيع وتطوير احتياجاتها العسكرية وإعادة تأهيل ما تستولي عليه من معدات. ويؤكد أن غزة أثبتت المعادلة ذاتها؛ مدينة محاصرة نجحت في تصنيع صواريخ من الخردة، وصمدت لأكثر من عام ونصف أمام منظومات تسليح مُدجّجة بالذكاء الاصطناعي.
اقتصاد الخوف وسلاح المضيق
على الصعيد الاقتصادي، يشير أحمد الشيزاوي إلى أن إيران أتقنت ما يصفه ب "حرب الخوف"؛ حيث استطاعت من خلال التهديد بإغلاق المضيق وتعطيل حركة الشحن أن تؤثر على الأسواق العالمية دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة. ونتيجة لذلك ارتفعت أسعار النفط لتتجاوز المئة والثلاثين دولارًا، وتضخمت أقساط التأمين على السفن بشكل كبير، إلى جانب الانهيار الذي شهدته بعض الأسواق المالية. ويشير إلى أن إيران دولة اعتادت على التعايش في ظل الأزمات، بينما العالم لم يتكيف بعد على انقطاع الإمدادات، وهذا بحدّ ذاته يمنحها ورقة ضغط بالغة الأثر.
ويضيف سالم الجهوري فيسلط الضوء على المشهد الذي يكشف هشاشةً حقيقية في دول الخليج التي بالرغم من انفاقها مليارات الدولارات على القواعد العسكرية الأجنبية، لكنها وجدت نفسها أمام معادلة مقلوبة؛ إذ أصبحت هذه القواعد هي من يحتاج الحماية، لا العكس مما يعكس وضعا غير متوقع أمام استراتيجية إيران.
عُمان.. قوة الهامش الذي صنع المركز
في ظل هذا المشهد المضطرب، يُسلط المحللان الضوء على النموذج العُماني بوصفه مثالًا فريدًا في استثمار القوة الناعمة. يوضح سالم الجهوري أن عُمان نجحت في "الحفاظ على مسافة آمنة من كل توتر"، مما جعلها الدولة الوحيدة التي تحظى بثقة كلٍّ من طهران وواشنطن في آن واحد. يعود هذا النجاح إلى تاريخ طويل من الحياد الإيجابي والفعّال، الذي مكّن مسقط من أن تصبح وجهة للتفاوض حول أعقد ملفات المنطقة، بدءًا بالبرنامج النووي الإيراني ووصولًا إلى قضايا اليمن وتبادل الأسرى.
أما أحمد الشيزاوي، فيشير إلى أن عُمان استوعبت مبكرًا درسًا حاسمًا : قوة الدولة لا تُقاس بحجم جيشها، بل بقدرتها على أن تكون شريكًا ضروريًا لدول أكبر منها حجمًا ونفوذًا. ويقارنها بالصين التي تحقق مكاسبها دون الخوض المباشر في الصراعات والمعارك.
مستقبل لا يشبه الماضي
يُجمع المحللان على أن المنطقة تمر بمرحلة غير مسبوقة؛ فقد انتهى عصر القطب الواحد وتراجعت الحروب التقليدية، ليبدأ عصر جديد تصعد فيه قوى افتراضية مثل المنصات الرقمية جنبًا إلى جنب مع الدول التقليدية. سالم الجهوري يؤكد أهمية تكييف الفكر مع التحولات الحالية، محذرًا من استخدام أدوات الماضي لقراءة المستقبل. ويرى أن من يفتقر اليوم إلى منظومة متقدمة للأمن السيبراني، وصناعة محلية قوية، وسمعة دولية ثابتة، سيجد نفسه مُهمشًا في صناعة القرار، مهما كانت استثماراته العسكرية. في النهاية، يبدو الشرق الأوسط كأنه مسرح لاختبار نماذج جديدة للقوة والردع والسعي للبقاء.
ويبقى السؤال الأبرز: من يمتلك اليوم مقومات خوض حرب المستقبل، بدلًا من التشبث بأدوات الصراعات الماضية؟
