تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية

حاتم الطائي يكتب:

◄ جلالة السلطان يقود نهج "الدبلوماسية الاقتصادية" لتحقيق مصالح الوطن والمواطن

◄ الاتفاقيات مع فرنسا تفتح أبواب المستقبل المزدهر للاقتصاد العُماني

◄ تحفيز القطاع الخاص ما زال مطلبًا مُلحًّا لضمان تكامل الجهود

منذ أن تولى حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم في مطلع العام 2020، والملف الاقتصادي يحتل صدارة الاهتمام، ليس فقط بسبب الأوضاع المالية التي صاحبت تلك المرحلة، وإنما لإيمان جلالته العميق بأنَّ الاقتصاد هو القاطرة التي تقود مسيرة التنمية، والقطاع الأكثر فاعلية في تحقيق النمو وبلوغ الغايات، وعلى رأسها مستهدفات رؤية "عُمان 2040".

وخلال هذه السنوات المباركة، ترسخ مصطلح "الدبلوماسية الاقتصادية"، وتعززت معه المساعي الرامية إلى توظيف المقومات النوعية التي تتمتع بها سلطنة عُمان في مختلف القطاعات، ولذلك رأينا التعديلات الوزارية التي أعادت هيكلة مؤسسات الدولة، لتعزيز تمركز الأنشطة الاقتصادية في قلب المنظومة الحكومية، وتحفيز الاستثمارات في القطاعات ذات المقومات الاستراتيجية، وجذبت، في الوقت نفسه، رؤوس أموال كانت تبحث عن ملاذات آمنة في عصر التوترات، ووجدت ضالتها في سلطنة عُمان؛ حيث الأمن والاستقرار والتنمية والتطور.

والدبلوماسية الاقتصادية التي يقودها جلالة السُّلطان -أيده الله- نجحت في تحقيق العديد من الجوانب، يمكن إبرازها كما يلي:

أولًا: تعريف الدول الأخرى بالمقومات الاقتصادية التي تزخر بها عُمان، لا سيما في قطاعات حيوية مثل اللوجستيات والطاقة المتجددة والثروة الزراعية والسمكية والاقتصاد الرقمي والاستثمارات المالية.

ثانيًا: إبرام صفقات واتفاقيات اقتصادية تُساعد على زيادة التبادلات التجارية، وتعمق مستويات الشراكة مع مختلف الدول، بما يحقق المصالح المشتركة ويدعم الخطط الوطنية.

ثالثًا: بناء جسور من التعاون الوثيق مع قادة الدول؛ إذ يولي جلالة السلطان حرصًا كبيرًا على بناء علاقات متينة مع قادة الدول الشقيقة والصديقة، وقد انعكس ذلك في الزيارات المتبادلة، سواء التي قام بها جلالته، أو تلك التي استضاف فيها قادة الدول الأخرى.

رابعًا: تأسيس فرق عمل مشتركة بين المسؤولين العُمانيين ونظرائهم في الدول الأخرى، مما يساعد على تسريع وتيرة إنجاز العمل المشترك.

ومن هنا نؤكد أنَّ الزيارات السامية التي يقوم بها جلالة عاهل البلاد المفدى إلى مختلف الدول حول العالم، تضع الملف الاقتصادي في صدارة الاهتمامات، ومن ثم تأتي الاهتمامات الأخرى، التي، بلا شك، لا تقل أهمية عن الاقتصاد، خاصة في ظل المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وما أسفر عنه ذلك من تغيرات في المشهد الاقتصادي، وتأثر سلاسل الإمداد والتوريد، واضطرابات الملاحة البحرية، وتعطل إمدادات الطاقة.

وخلال الزيارة الأخيرة التي قام بها جلالته إلى الجمهورية الفرنسية، تجلت أهمية العلاقات الاقتصادية مع توقيع نحو12 اتفاقية ومذكرة تفاهم وإعلان نوايا في مجالات اقتصادية متعددة، وقد توازى ذلك مع وجود وفد عُماني من أصحاب وصاحبات الأعمال، الذين وقعوا اتفاقيات اقتصادية، من شأنها أن تحدث نقلة نوعية في مسيرة التنمية الوطنية. فقد تضمنت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مجالات اللوجستيات والموانئ، علاوة على إنشاء أول مترو في مسقط. وهنا لا نتحدث فقط عن مشروع واعد سيغير ملامح قطاع النقل البري، وإنما نشير كذلك إلى رؤية اقتصادية حكيمة؛ حيث إنَّ فرنسا واحدة من الدول المتقدمة في قطاع السكك الحديدية السريعة داخل المدن، وقد سبق أن أسهمت فرنسا في تنفيذ وإدارة وتشغيل مشاريع مترو في منطقتنا العربية، وحققت نجاحات كبيرة.

كما وقعت سلطنة عُمان وفرنسا اتفاقية لإدارة شبكات المياه والصرف الصحي في ثلاث محافظات، في خطوة تستهدف توطين التقنيات المتقدمة المستخدمة في هذا المجال، وتعزيز الكفاءات الوطنية العاملة في القطاع. هذا إلى جانب إطلاق برنامج لتمكين الشركات الناشئة العُمانية من استكشاف الأسواق الفرنسية والأوروبية؛ الأمر الذي من شأنه أن يفتح المجال أمام توسعات نوعية لشركات القطاع الخاص العُماني في هذه الأسواق التي تشتهر بجودة الإنفاق والتنافسية الكبيرة.

مسارات التعاون والشراكة بين سلطنة عُمان ومختلف دول العالم، لم تعد ينظر إليها على أنها علاقات دبلوماسية تقليدية، في صورة تبادل وفود وزيارات والتقاط صور تذكارية، وإنما أصبحت ركيزة استراتيجية تدعم جهود مواكبة التحولات الكبرى، والاستفادة من الخبرات المتطورة لدى الدول الأخرى، وتعزيز الجوانب المتعلقة بجذب الاستثمارات، وطرح المقومات الاستراتيجية لسلطنة عُمان أمام الدول الأخرى، لتحقيق أكبر قدر من المصالح المشتركة.

ويتوازى مع جهود الدبلوماسية الاقتصادية، جهد آخر مضنٍ، يستهدف الارتقاء بأداء مؤسسات الدولة، والذي كان آخره تعيين صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، رئيسًا لمجلس إدارة مركز عُمان المالي العالمي، الذي يمثل منصة استراتيجية واعدة لجذب رؤوس الأموال إلى القطاع المالي، وإحداث تحول نوعي في المنظومة المالية. علاوة على تعيين سموه كذلك رئيسًا لمجلس التنسيق الاقتصادي الذي أقره مجلس الوزراء خلال اجتماعه الأخير برئاسة جلالة السلطان المعظم.

كل هذه التطورات والمتغيرات تبرهن على أن الاقتصاد هو عمود خيمة الدولة، وعصب نموها، وركيزتها الاستراتيجية، التي يجب تسخير كل الطاقات والإمكانات من أجل مواصلة تسجيل معدلات نمو مرتفعة دائمًا.

غير أن هذا النمو يتطلب، في الوقت نفسه، مزيدًا من التحفيز للقطاع الخاص، ولا سيما قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتقديم التمويل اللازم بمعدلات فائدة معقولة، في القطاعات الحيوية الواعدة، وزيادة الاهتمام بالقطاعات الناشئة التي ينتظرها نمو مستقبلي، مثل قطاع الفضاء، وقطاع الصناعات التصديرية، وقطاع الطاقة المتجددة وصناعة مكوناتها.

ويتوازى مع ذلك ضرورة تسريع الجهود لتطوير التعليم، والارتقاء بمستوى المخرجات، سواء من حيث المحتوى الأكاديمي الذي يجب أن يواكب العصر، أو توفير التدريب والتأهيل خلال سنوات الدراسة وفي السنوات الأولى التالية للتخرج. لا ننكر أن مؤسسات التعليم الحكومية والخاصة تبذل جهودًا مقدرة من أجل النهوض بالمخرجات التعليمية، لكن، في الوقت نفسه، ما تزال هناك تحديات تعرقل هذه الجهود، وإجراءات تتعارض تمامًا مع مساعي توطين الوظائف، وقرارات وزارية تنشر الإحباط بين الشباب، وتبني جدارًا سميكًا من الامتعاض تجاه ما يتخذ من قرارات غير مبررة وغير مفهومة في سياقات متعددة.

ومن المتوقع أن تشهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية ازدهارا اقتصاديا غير مسبوق خلال الأشهر القادمة، بعد رفع العقوبات الاقتصادية وعودة الأرصدة المالية المجمدة، وتنفيذ مشروع إعادة البناء والاستثمار المقدر بـ300 مليار دولار، الأمر الذي يعني وجود فرص اقتصادية ينبغي الاستفادة منها بشكل كبير نظرا لعمق العلاقات العمانية الإيرانية.

وينبغي الارتقاء بالدور الذي تقوم به الموانئ العمانية عبر تفعيل خطوط مباشرة مع الموانئ الإيرانية، وكذلك تفعيل العبارات من خصب إلى بوشهر، إذ إن موانئ مثل ميناء صحار وميناء الدقم وميناء صلالة يمكن أن تستفيد من زيادة حركة إعادة التصدير والتخزين والخدمات اللوجستية المرتبطة بالتجارة مع إيران، وهذا الأمر قد يشجع رجال الأعمال الإيرانيين على الاستثمار في المناطق الحرة العمانية للاستفادة من ميزاتها العديدة.

أضف إلى ذلك أن الفنادق العمانية ستكون على موعد مع استقبال السائحين الإيرانيين المتشوقين إلى استكشاف الطبيعة العمانية وزيارة المراكز التجارية.

ويبقى القول.. إن المرحلة الراهنة تفرض علينا جميعًا -مسؤولين ومواطنين- أن نضاعف كل جهد يرمي إلى الارتقاء بالمجتمع، ويدعم أهداف التنمية المستدامة، ويُلبي تطلعات المواطن، في ضوء الأهداف السامية التي وضعتها رؤية "عُمان 2040"، التي تحظى برعاية واهتمام مباشرين من لدن جلالة السلطان المعظم -أيده الله-. فلنكن كلنا شركاء في نهضة وازدهار وطننا الحبيب، ولنعمل يدًا بيد من أجل رفعة شأنه وعلو مكانته، وهذا لن يتحقق سوى بالعمل الجاد من أجل تحقيق نهضة اقتصادية شاملة، تستفيد من المقومات النوعية التي نملكها، وتوظف المتغيرات الجيوسياسية والتطورات الإقليمية والعالمية، لصالح ازدهار ونمو اقتصادنا الوطني؛ بما ينعكس على استقرار معيشة المواطن في كل بقعة من تراب هذا الوطن العزيز.

الأكثر قراءة

z