هل فات الأوان؟

 

 

 

ريم الحامدية

reem@alroya.info

 

في صباحات عُمان، حيث عقارب الساعة تشير إلى السابعة صباحًا، حين تستيقظ المدن على مهل وتمضي الناس مسرعة نحو أعمالها ومواعيدها، استمعتُ إلى حديث عابر في إحدى الإذاعات عن رجل قرر أخيرًا أن يُحقِّق حلمًا ظل يرافقه سنوات طويلة.

لم يكن الحلم مستحيلًا، ولا يحتاج إلى أكثر من خطوة شجاعة، لكنه كان مؤجلًا دائمًا. مرة بحجة العمل، وأخرى لانشغالات الحياة، وثالثة لأنه كان ينتظر الوقت المناسب.

قال أحدهم أثناء الحديث: "وحين فعلها أخيرًا، اكتشف أنه أكبر بعشرين عامًا مما كان عليه يوم حلم بها أول مرة".

لم تكن جملة استثنائية، لكنها بقيت ترافقني طوال الصباح. كنت أتأمل الوجوه العابرة خلف زجاج السيارات، وأفكر في عدد الأحلام التي تسافر معنا كل يوم إلى أعمالنا وتعود معنا مساءً دون أن تخطو خطوة واحدة نحو التحقق. كم من الأشياء نحملها في قلوبنا سنوات طويلة، لا لأننا عاجزون عنها، بل لأننا أقنعنا أنفسنا أن الوقت لم يحن بعد.

منذ ذلك الصباح، ظل سؤالٌ واحد يلح عليّ: ماذا لو أن أكثر ما يسرق أعمارنا ليس الفشل، بل التأجيل؟

نحن لا نؤجل الأحلام الكبرى فحسب، بل نؤجل الحياة بأكملها. نؤجل السفر إلى إجازة أطول، والراحة إلى نهاية الأسبوع، واللقاء إلى وقت أقل ازدحامًا، والاتصال إلى مساء أكثر هدوءًا. نؤجل الكتب التي نريد قراءتها، والأماكن التي نود زيارتها، والكلمات التي نستحق أن نقولها لمن نحب. حتى الامتنان نفسه، نؤجله أحيانًا، وكأن المشاعر لها موعد انتهاء صلاحية أبعد من اليوم.

الغريب أن الإنسان يقضي جزءًا كبيرًا من عمره وهو يستعد للحياة أكثر مما يعيشها. يظن أن السعادة تقف خلف المنعطف القادم، وأن الراحة تنتظره في الشهر المقبل، وأن الأيام الجميلة مؤجلة إلى أن تنتهي الالتزامات. لكنه يكتشف متأخرًا أن الالتزامات لا تنتهي، وأن الحياة لا تتوقف حتى نفرغ من انشغالاتنا، بل تمضي بينما نحن منشغلون بالاستعداد لها.

وحين نتأمل أجمل ذكرياتنا، نجد أنها لم تكن مرتبطة غالبًا بالأوقات المثالية التي انتظرناها طويلًا. بل كانت لحظات عادية جدًا؛ جلسة امتدت أكثر مما خُطط لها، وضحكة مفاجئة، وطريق سلكناه ذات مساء، أو حديثًا دافئًا مع شخص نحبه. الأشياء التي تصنع الحياة ليست دائمًا عظيمة كما نتخيل، لكنها عظيمة لأنها تحدث مرة واحدة فقط.

وربما لهذا السبب يبدو الزمن أكثر حكمةً منا؛ فهو لا يمنحنا إشعارًا قبل أن يمضي، ولا يخبرنا أن هذه هي المرة الأخيرة التي سنمر فيها من هذا المكان، أو نجلس فيها مع هذا الشخص، أو نعيش فيها هذا العمر. يتركنا نظن أن الفرص كثيرة، وأن الأيام متشابهة، ثم نفاجأ بأن بعضها كان أخيرًا دون أن نعرف.

كم من لقاء قلنا عنه: في وقت آخر، ولم يأتِ ذلك الوقت؟ وكم من حلم أجلناه حتى تغيرت ملامحنا ونحن ننتظر؟ وكم من شخص كان يستحق كلمة جميلة فآثرنا الصمت لأن الغد بدا مضمونًا أكثر من اللازم؟

لذلك ربما علينا، بين حين وآخر، أن نتوقف عن الركض خلف الغد، وأن نلتفت إلى ما يمر بجوارنا اليوم. أن نقول الكلمة التي نخفيها، وأن نزور الشخص الذي نفتقده، وأن نبدأ الحلم الذي نؤجله، وأن نمنح أيامنا نصيبها من الحياة قبل أن نطالبها بالمزيد منها.

في نهاية المطاف، لا يمضي العمر دفعة واحدة، بل يغادرنا على هيئة "لاحقًا". لاحقًا سأفعل، لاحقًا سأزور، لاحقًا سأبدأ، لاحقًا سأعيش.

ثم يأتي يوم نلتفت فيه إلى الخلف، فلا نجد أن ما ضاع منا كان الأحلام التي لم تتحقق، بل الأيام التي كانت بين أيدينا كاملة، فتركناها تمضي لأننا كنا ننتظر وقتًا أفضل للعيش.

وما من خسارة أشد مرارة من أن يكتشف الإنسان، بعد رحلة طويلة مع الزمن، أن الحياة التي كان يبحث عنها في الغد… كانت تمر أمامه كل يوم ولم يستغلها.

لذلك، إذا هبّت رياح أيامك بما تشتهي روحك، فلا تؤجل فرحها، ولا تؤخر خطوتك إليها. اغتنمها ما استطعت، فلكل ريحٍ سكون، ولكل موسمٍ أفول، وبعض الفرص لا تودعنا، بل تمضي بصمتٍ وتمضي معها قطعة من العمر.

الأكثر قراءة

z