بعد 181 ليلة

 

 

 

ريم الحامدية

reem@alroya.info

 

ها نحن نقف اليوم، في أول يوم من يوليو 2026، عند خط المنتصف تمامًا. انطوى نصف العام كما تنطوي صفحة لم تكتمل حكايتها بعد؛ صفحة حملت 181 ليلة، عبرت بنا بين أفراحٍ عابرة، وتجارب صقلت أرواحنا، وخطواتٍ واثقة، وأخرى تعثرت ثم نهضت من جديد. نصف عامٍ رحل، تاركًا في الذاكرة ما يستحق الامتنان، وما يستحق المراجعة أيضًا، ليمنحنا النصف الآخر، الممتد على 184 يومًا، فرصة جديدة لكتابة ما لم يُكتب بعد، وتصحيح ما أخطأنا في رسمه.

 

ولعل نهاية النصف الأول من العام هي أكثر المحطات الزمنية صدقًا مع النفس. فهي ليست مجرد تاريخٍ يتوسط التقويم، بل لحظة تتساوى فيها الذكريات بما مضى مع الآمال بما هو آتٍ. لحظة نتوقف فيها قليلًا، لا لالتقاط الأنفاس فحسب، وإنما لمراجعة الوعود التي قطعناها لأنفسنا، والأهداف التي رسمناها في مطلع العام، وما الذي تحقق منها، وما الذي لا يزال ينتظر منا خطوةً أكثر جرأة.

 

وإذا كان الإنسان يراجع نفسه عند كل محطة زمنية، فإن المؤسسات الناجحة تفعل الأمر ذاته؛ لأن الزمن لا يقيس النوايا، بل يقيس ما تحقق على أرض الواقع. ومن هنا، فإن انتصاف العام ليس رقمًا عابرًا في التقويم، بل فرصة حقيقية لإعادة تقييم الأداء، ومراجعة الأولويات، وتصحيح المسار كلما دعت الحاجة.

 

ومع انتصاف العام، تتجه الأنظار بطبيعة الحال نحو الأداء الحكومي والخطط التي رُسمت مع بداية السنة. فالوقت يمضي بوتيرة أسرع مما نظن، ولم يعد كافيًا أن تستمر عجلة العمل بالإيقاع التقليدي. إن النصف المتبقي من العام يتطلب حراكًا أكثر سرعة، وقرارات أكثر حسمًا، ونتائج يمكن للمواطن أن يلمس أثرها في حياته اليومية. فالمواطن اليوم لا ينتظر المزيد من الخطط المؤجلة أو الوعود المرحّلة، بقدر ما ينتظر منجزاتٍ تُرى، وخدماتٍ تتحسن، ومشاريع تكتمل؛ لأن الأوطان تُقاس بما يتحقق فيها، لا بما يُخطط له فقط.

 

وفي مقدمة هذه الملفات التي لا تحتمل مزيدًا من الانتظار، يأتي ملف الباحثين عن عمل؛ ذلك الملف الذي يسكن تفاصيل آلاف الأسر، ويتجاوز كونه أرقامًا في تقارير أو مؤشرات في جداول. إنه حكاية شبابٍ يملكون الطموح والكفاءة، وينتظرون فرصةً عادلةً ليكونوا جزءًا من مسيرة البناء والتنمية. وهو أيضًا قلق الآباء والأمهات، وأمل الخريجين الذين يطرقون أبواب المستقبل بثقة، لكنهم ينتظرون أن تُفتح أمامهم الأبواب.

إن النصف المتبقي من العام يستحق أن يشهد حراكًا استثنائيًا في هذا الملف تحديدًا، يقوم على حلول مبتكرة، وشراكات حقيقية بين القطاعين العام والخاص، ومبادرات عملية تترجم التوجيهات إلى فرص، والخطط إلى وظائف، والوعود إلى واقع يعيشه الشباب. فكل يوم يمر دون فرصة عمل ليس مجرد يوم ينقضي من التقويم، بل جزء من حلم يتأخر، وطاقة وطنية تبقى خارج دائرة الإنتاج، بينما الوطن أولى بكل طاقاته وأبنائه.

 

فالمنتصف ليس محطةً للوقوف، بل فرصة لتصحيح البوصلة، وإعادة ترتيب الأولويات، واستدراك ما تباطأت خطاه، وضخ روح جديدة في مسيرة العمل، حتى لا تتحول بقية الأيام إلى مجرد أرقامٍ تتناقص، بل إلى إنجازاتٍ تتراكم.

 

نودع النصف الأول من العام بامتنان لما علمنا إياه، ونستقبل الأيام الـ184 المتبقية بتفاؤلٍ لا ينفصل عن المسؤولية. فما زالت أمامنا فرصة لننجز أكثر، ونصحح أكثر، ونقترب أكثر من الغايات التي رسمناها لأنفسنا ولوطننا.

 

فالسنوات لا تُقاس بعدد أيامها، بل بما نتركه فيها من أثر. وما زالت أمامنا 184 فرصةً لنكتب خاتمةً تليق بطموحاتنا، وتليق بهذا الوطن الذي يستحق دائمًا أن يكون القادم فيه أجمل من الذي مضى.

الأكثر قراءة

z