ريم الحامدية
في هذه الحياة، نولد جميعًا بقلوبٍ تتسع للأحلام، وبأيدٍ صغيرةٍ تمتد نحو الضوء، لا تعرف سوى الرغبة في الاكتشاف. نمشي أولى خطواتنا دون أن ننظر خلفنا؛ لأننا، ببساطة، لم نتعلم بعد معنى المقارنة. كنا نفرح إذا نجح الآخر، ونصفق بعفوية إذا سبقنا أحد، حتى جاءت الحياة، وألقت في الطريق كلمةً ثقيلةً اسمها: التنافس.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الجميع يركضون للسبب ذاته. هناك من يركض لأنه يرى في النجاح رسالة، وفي الاجتهاد عبادة، وفي كل إنجازٍ يحققه الآخرون دليلًا على أن الطريق يتسع للجميع. وهناك من يركض وهو يلتفت في كل خطوة، لا ليطمئن على الطريق، بل ليتأكد أن أحدًا لم يسبقه.
والفرق بين الاثنين… ليس في السرعة، بل في القلب. التنافس، في جوهره، ليس عيبًا، بل لولاه لما ازدهرت الأمم، ولا تطورت المؤسسات، ولا اجتهد طالب، ولا أبدع موظف، ولا حلم إنسان بأن يكون أفضل مما كان عليه بالأمس. إنه الوقود الذي يدفعنا لأن نتعلم أكثر، وأن نقرأ أكثر، وأن نكسر حدود الأمس دون أن نكسر أحدًا في الطريق.
لكن التنافس يفقد جماله حين يتحول من سؤال: كيف أتقدم؟ إلى سؤال: كيف يتأخر غيري؟
هناك موظف يسعده نجاح زميله؛ لأنه يؤمن أن نجاح واحدٍ منهم يرفع اسم الفريق كله، وآخر تضيق روحه كلما سمع تصفيقًا لغيره، وكأن الأضواء لا تتسع إلا لشخصٍ واحد.
وهناك جهات تتنافس لتقدم خدمةً أفضل، ومبادراتٍ أجمل، وإنجازاتٍ أكبر للوطن، فتربح جميعها؛ لأن المستفيد الأخير هو المجتمع. وفي المقابل، هناك من ينشغل بإثبات فشل الآخرين أكثر من انشغاله بصناعة نجاحه.
حتى بين الأصدقاء، يتسلل التنافس أحيانًا في ثوبٍ خفيف لا يُرى. يفرح لك بلسانه، بينما يقاوم في داخله غصةً لا يعرف لها تفسيرًا. وبين الإخوة أيضًا، قد تتحول المقارنات المتكررة إلى جدارٍ خفي، يجعل أحدهم يقيس قيمته بما يملكه الآخر، لا بما يملكه هو من نعمٍ وخصوصية.
المؤلم أن الحسد لا يسرق النعمة من الآخرين، بل يسرق الطمأنينة من صاحبه. يظل يراقب الجميع، ويعدّ نجاحاتهم، ويحفظ إنجازاتهم، وينسى أن لديه عمرًا كان الأولى أن ينفقه في بناء نفسه.
أما أصحاب القلوب الواسعة، فهم يفهمون سرًا جميلًا في الحياة؛ أن الأرزاق لا تتصادم، وأن النجاح ليس مقعدًا واحدًا يتقاتل عليه الجميع. يؤمنون أن لكل إنسان موعدًا كتبه الله، وأن ما كُتب لك لن يأخذه غيرك، كما أنك لن تستطيع أخذ ما لم يُكتب لك.
ولهذا، تجدهم ينافسون أنفسهم أكثر مما ينافسون الآخرين. إذا رأوا ناجحًا، سألوه: كيف وصلت؟ لا: لماذا وصلت؟ وإذا سبقهم أحد، جعلوا منه دليلًا على أن الوصول ممكن، لا سببًا للمرارة.
كم ستكون الحياة أخف لو أدركنا أن السماء لا تمنح النجوم نورها بالتناوب، وأن البحر لا ينقص لأنه استقبل نهرًا جديدًا، وأن الورد لا يذبل لأن زهرةً أخرى تفتحت بجواره. في هذا الكون متسعٌ للجميع، ومتسعٌ لكل نجاحٍ صادق، ولكل قلبٍ يعمل بإخلاص.
فلتكن منافستنا شريفة؛ تدفعنا إلى الإتقان، لا إلى الكراهية، وإلى البناء، لا إلى الهدم. ولنسأل أنفسنا كلما رأينا نجاحًا أمامنا: هل أيقظ فينا الرغبة في أن نجتهد، أم الرغبة في أن يتعثر صاحبه؟
فالإجابة عن هذا السؤال، ربما تكشف لنا أيَّ قلبٍ نحمل.
