ناصر العبري
في كل مجتمع يسعى إلى التقدم، تبقى الكفاءة الاستثمار الحقيقي الذي لا يصدأ. المبدعون وأصحاب الإنجازات لا يطاردون الأضواء بقدر ما يطاردون التقدير العادل. كلمة تقول لهم إن ما بذلوه من جهد ووقت كان محل اهتمام واحترام.
عندما تُفتح أبواب المنافسة والجوائز، تكبر الآمال. ليس من أجل الفوز فقط، بل من أجل تقييم مهني منصف يعكس قيم العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص. فالجائزة الحقيقية ليست في الدرع أو الشهادة، وإنما في الثقة التي تُمنح للمشاركين بأن معايير التقييم قائمة على الجودة والتميز وحدهما.
غير أن أكثر ما يثقل على أصحاب الإنجاز ليس الخسارة؛ فالهزيمة جزء طبيعي من أي منافسة. الذي يوجع حقًا هو الشعور بأن الجهد المبذول لم يحظَ بالفرصة الكافية للنظر إليه وتقدير قيمته وأثره. هنا لا يكون السؤال عن نتيجة المنافسة، بل عن الرسالة التي تصل إلى المبدعين. رسالة تقول لهم إن الكفاءة ليست العامل الحاسم في صناعة النتائج.
إن تهميش الكفاءات لا يضر أصحابها وحدهم، بل ينعكس على بيئة العمل والإبداع بأكملها. حين يفقد المتميزون الثقة في أن جهودهم ستُقيَّم بإنصاف، تتراجع الحماسة، ويخسر المجتمع طاقات كان يمكن أن تقدم الكثير.
أما حين يُحتفى بالإنجاز الحقيقي ويُمنح كل صاحب جهد حقه من التقدير، فإن ذلك يخلق بيئة تنافسية صحية. بيئة تدفع الجميع نحو مزيد من العطاء والابتكار.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله المبدع حين يواجه خيبة الأمل هو التمسك بقناعته. قيمة العمل لا تُقاس دائمًا بالنتائج المعلنة. الإنجاز الذي ترك أثرًا في الناس سيظل شاهدًا على جودته مهما كانت الظروف. فالتقدير قد يتأخر، والإنصاف قد يغيب أحيانًا، لكن الأعمال المتميزة تبقى؛ لأنها تستمد قوتها من أثرها الحقيقي لا من أي قرار أو تصنيف.
ويبقى الرهان الأكبر على أن تكون الكفاءة دائمًا هي المعيار، وأن يظل الإبداع يجد طريقه إلى التقدير المستحق.
