حين يصبح العطاء بخلًا

د. سعيد الدرمكي

 

هل سبق أن بذلت كل ما تستطيع لإسعاد شخص، ثم فوجئت بأن عطاءك لم يصنع امتنانًا، بل صنع توقعًا دائمًا بالمزيد؟ عندها قد لا تكون المشكلة في الطرف الآخر، بل في الطريقة التي اخترت أن تعطي بها.

العطاء في جوهره قيمة إنسانية نبيلة، وهو من أسمى صور القيادة والتربية والرعاية. غير أن هذه القيمة قد تفقد أثرها حين يغيب عنها الاتزان، فيتحول ما قُصد به الإصلاح إلى سبب في إضعاف من نرعاهم، حتى يغدو العطاء، من حيث لا نشعر، أقرب إلى البخل في أثره ونتيجته.

فهناك من الناس من يبذلون قصارى جهدهم لمن هم في رعايتهم، فيكونون مرشدين حينًا، وآباءً حينًا آخر، يواصلون عطاءهم بلا كلل أو ملل.

ولا تكمن المشكلة في العطاء ذاته، فهو تعبير صادق عن المحبة والرعاية، وقد يكون من أسمى صور الإيثار.

المشكلة حين يكون هذا العطاء غير متزن ومفرطًا إلى درجة أن الطرف الآخر يحسبه واجبًا ملزمًا، فتجده غير مكترث بقيمة هذا العطاء الذي لم يأتِ من عدم، بل جاء نتيجة تضحية بالوقت مرة، وبالجهد والمال مرات أخرى، ولا يريد صاحبه وراء ذلك سوى أن يُسعد الآخر، وكله أمل أن يقدّر الآخر هذا الصنيع، ليس بالمقابل المادي، بل بما يتمثل في الاحترام والتقدير.

ولعل أكبر أخطائنا أننا نقيس نجاح العطاء بكميته، لا بأثره، فنقدم الكثير، ونغفل عما يحتاجه الآخر حقًا. فتأتي النتيجة، في الغالب، على عكس ما نرجو، لأن معادلة العطاء هنا مختلة منذ البداية.

علينا، كرعاة، سواء كنا مديرين، أو قادة، أو مدربين، أو معلمين، أن نكون أكثر فطنة؛ فكثرة العطاء لا يقابلها بالضرورة تقدير أو امتنان من الطرف الآخر، فعلى سبيل المثال، إذا كان متلقي هذا العطاء أحد أفراد الأسرة، فإن الإفراط في العطاء قد يفسده، ويجعل منه إنسانًا اتكاليًا يحب تملك كل شيء، وتصبح قيمة الأشياء، وإن كبرت، صغيرة في نظره، وربما لا تعني له شيئًا. كيف لا، وقد تعوّد أن يجد كل شيء قبل أن يرف له جفن، حتى الأشياء التي لم يفكر في اقتنائها يجدها أمامه.

وفي بيئة العمل تتكرر الصورة نفسها، وإن اختلفت التفاصيل. فقد يظن المدير أن تدخله المستمر لحل مشكلات فريقه يجسد القيادة الحقيقية والدعم الفاعل، إلا أنه مع مرور الوقت يصنع فريقًا لا يجيد اتخاذ القرار إلا بوجوده، ولا يواجه التحديات إلا بتوجيهاته. وهنا يتحول العطاء من وسيلة للتمكين إلى سبب في صناعة الاعتمادية، فيضعف الإبداع وتضمحل روح المبادرة.

وهنا تتضح الصورة بشكل أكثر جلاءً عندما ندرك أن هذا المعنى يتوافق مع ما تؤكده نظريات الدافعية الإنسانية. فهرم ماسلو، على سبيل المثال، يوضح أن الإنسان ينمو بالتدرج، لا بالحصول على كل شيء دفعة واحدة.

يجب علينا، تجاه من نقودهم، أن نعرفهم معرفة تامة من حيث الأفعال والسلوك، وقبل هذا وذاك يجب أن ندرك الأهداف والغايات المرتقبة من هذه المساعي، وإلا تحولت جهودنا إلى هباء. فقبل أن نباشر في تعطير الشخص الآخر وإنعاشه برائحة العطر الزكية، علينا أن نتأكد من أن هذا العطر سينعشه ويطيبه بالفعل، فما تراه عطرًا زكيًا قد يراه غيرك أحيانًا سببًا للأذى والمرض. فما أحوجنا إلى تحديد أهداف قليلة في عددها، كبيرة في أثرها ونتائجها، ونجعل لها مؤشرات تضيء لنا طريق النجاح.

ومع المكانة الرفيعة التي يحتلها العطاء في حياتنا، فإن كثرة العطاء غير المتزن قد تتحول إلى شكل من أشكال الهدر العاطفي أو المادي، بل قد يتحول إلى وحش يصعب ترويضه أو مقاومته بسهولة. وما يتوجب على المُعطي لا يقتصر على تقديم الهدية أو العطاء، بل يمتد إلى ترك مساحة يتعلم فيها من يرعاه، ويغرس في نفسه الشغف بالبحث والعمل للوصول إلى ما يبتغي.

إذًا، ليس المطلوب أن نتوقف عن العطاء، بل أن نتعلم فن العطاء المتزن، العطاء الذي يصنع أثرًا ولا يخلق اتكالية، ويبني إنسانًا قادرًا على الاعتماد على نفسه، لا مستهلكًا دائمًا لما يقدم له. فالقيمة الحقيقية للعطاء لا تقاس بكثرته، بل بقدرته على إحداث الفرق وتحقيق النمو.

ولعل الحكمة تقتضي أن نراجع أنفسنا قبل فوات الأوان، وقبل أن تدرك أعيننا سِنةَ النعاس من أثر التعب في محاولات إسعاد الآخرين. عندها نكتشف أن ما حسبناه عطاءً قد تحوّل مع مرور الزمن إلى عبء، وأن ما قصدنا به الإصلاح أسهم، من حيث لا نشعر، في صناعة الاعتمادية وإضعاف روح المبادرة.

حينها يصبح الإصلاح أكثر صعوبة، وقد ينطبق علينا القول: »لا يصلح العطار ما أفسد الدهر«.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z