ناصر بن حمد العبري
ترحل الشخصيات العظيمة، لكن آثارها لا ترحل. وتغيب الوجوه التي صنعت التاريخ، بينما تبقى الإنجازات شاهدة على أن هناك رجالاً وهبوا أوطانهم أعمارهم، وآمنوا بأن بناء الإنسان هو الطريق الأسمى لبناء الدولة.
ومن هذا الطراز الفريد يبرز اسم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي ارتبطت مسيرته بواحدة من أهم مراحل التحول في تاريخ دولة قطر الشقيقة، حتى غدت تجربتها التنموية نموذجاً يستحق الدراسة والتقدير.
إن رحيل الأمير الوالد لا يمثل حدثاً قطرياً فحسب، بل هو مناسبة يستحضر فيها أبناء الخليج والعالم العربي مسيرة قائد امتلك رؤية بعيدة المدى، واستطاع أن يحول الطموحات إلى واقع، وأن يؤسس لنهضة شاملة جعلت من قطر دولة ذات حضور سياسي واقتصادي وثقافي مؤثر على المستويين الإقليمي والدولي.
لقد آمن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بأن الثروة الحقيقية لا تكمن في الموارد الطبيعية وحدها، وإنما في حسن إدارتها وتوجيهها لخدمة الإنسان. ومن هذا المنطلق، قاد مشروعاً وطنياً متكاملاً، استثمر فيه عوائد الطاقة لبناء المدارس والجامعات والمستشفيات والمراكز البحثية والبنية الأساسية الحديثة، فكان الاستثمار في الإنسان عنواناً دائماً لمرحلة امتدت آثارها إلى مختلف مفاصل الدولة.
وشهد قطاع الطاقة في عهده قفزات استراتيجية عززت مكانة قطر كإحدى أهم القوى العالمية في صناعة الغاز الطبيعي المسال، وهو إنجاز لم يكن مجرد نجاح اقتصادي، بل كان ركيزة أساسية لتمويل التنمية المستدامة، وتنويع الاقتصاد، ورفع مستوى جودة الحياة، وتعزيز قدرة الدولة على مواصلة مشاريعها المستقبلية بثقة واستقرار.
ولم تغب الثقافة والعلم عن مشروعه الوطني، إذ أولى التعليم والبحث العلمي عناية استثنائية، إيماناً بأن الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات فحسب، بل بما تنتجه من معرفة، وما تبنيه من عقول قادرة على صناعة المستقبل. ولذلك أصبحت قطر في عهده محطةً علمية وثقافية تستقطب المؤسسات الأكاديمية العالمية، وتؤمن بدور المعرفة في ترسيخ التنمية الشاملة.
أما على الصعيد السياسي، فقد اتسمت رؤيته بالحكمة والانفتاح، والعمل على تعزيز الحضور القطري في المحيطين الإقليمي والدولي، مع الحرص على ترسيخ العمل الخليجي المشترك بوصفه أحد أهم مرتكزات الأمن والاستقرار والتنمية. وكانت قناعته راسخة بأن الحوار هو السبيل الأمثل لمعالجة الخلافات، وأن التعاون بين الأشقاء هو الضمان الحقيقي لازدهار المنطقة.
وفي هذا السياق، شهدت العلاقات العُمانية القطرية خلال فترة حكمه تطوراً ملحوظاً، مستندة إلى الإرث التاريخي المشترك، وإلى ما يجمع سلطنة عُمان ودولة قطر من روابط أخوية عميقة. وقد تعزز التعاون بين البلدين في مجالات الاقتصاد والطاقة والاستثمار والسياحة والنقل والتعليم، كما تميزت العلاقات السياسية بالتفاهم والاحترام المتبادل، والتنسيق المستمر في القضايا الخليجية والعربية، وهو ما أسهم في ترسيخ نموذج مشرّف للعلاقات بين الأشقاء داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
واليوم، بينما ترفع الأكف بالدعاء للأمير الوالد، فإن دولة قطر لا تودع قائداً فحسب، بل تستذكر رجلاً أسهم في صناعة مرحلة تاريخية ستظل حاضرة في وجدان شعبه، وفي ذاكرة الخليج، وفي سجل الإنجازات العربية المعاصرة. وسيبقى إرثه حياً في وطن واصل مسيرة التقدم، وفي مؤسسات أصبحت شاهداً على رؤيته، وفي علاقات أخوية راسخة مع الأشقاء، وفي مقدمتهم سلطنة عُمان التي جمعتها بقطر مسيرة من التعاون والثقة والاحترام المتبادل.
إن سلطنة عُمان وشعبها وهي تشاطر دولة قطر الشقيقة أحزانها في هذا المصاب الجلل، تؤكد عمق الروابط التي تجمع البلدين، وتستذكر بكل التقدير إسهامات الأمير الوالد في تعزيز هذه العلاقة الأخوية التي ظلت نموذجاً للتعاون الخليجي الصادق.
رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وجزاه خير الجزاء على ما قدم لوطنه وأمته، وألهم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والأسرة الكريمة، والشعب القطري الشقيق جميل الصبر والسلوان. وستظل سيرته عنواناً لقائد آمن بأن الأوطان تُبنى بالرؤية، وتزدهر بالإنسان، وتبقى عظيمة بما يتركه المخلصون من إرثٍ خالد تتناقله الأجيال.
