هل نسافر بالدَّين؟ حين تتحول الإجازة إلى التزام مالي طويل الأمد

 

 

محمد بن أنور البلوشي **

في الأيام الأخيرة، بدأت بعض البنوك والمؤسسات المالية والشركات السياحية في الترويج لمنتجات تمويلية مخصصة للسفر والسياحة، وتظهر الإعلانات بشكل جذاب ومغرٍ، حيث تعد العملاء بإجازات مريحة ورحلات إلى وجهات عالمية مميزة، مع إمكانية السداد على أقساط ميسرة أو من خلال قروض شخصية سريعة. وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى فرصة مثالية لتحقيق الأحلام والاستمتاع بالحياة، لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل من الحكمة أن نسافر بالدَّين؟

السفر بلا شك تجربة إنسانية ثرية. فهو يوسع المدارك، ويتيح التعرف على ثقافات جديدة، ويسهم في الراحة النفسية وتجديد النشاط. لكن عندما يصبح السفر ممولًا بقرض أو سلفة مصرفية، فإن الأمر يختلف من الناحية الاقتصادية والمالية. فالإجازة بطبيعتها استهلاك مؤقت، بينما القرض التزام طويل الأجل قد يستمر لسنوات بعد انتهاء الرحلة وعودة المسافر إلى حياته اليومية.

عند النظر إلى الفئة المستهدفة من هذه المنتجات التمويلية، نجد أن الغالبية العظمى هم من أصحاب الدخل المتوسط والطبقة الوسطى. وهذه الفئة تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد، لكنها في الوقت ذاته الأكثر تعرضًا للضغوط المالية الناتجة عن ارتفاع تكاليف المعيشة والإسكان والتعليم والصحة. ولذلك يبرز سؤال مهم: هل تمتلك هذه الفئة الثقافة المالية الكافية لفهم الآثار المستقبلية للديون الاستهلاكية؟

ويرى العديد من الباحثين في مجال الاقتصاد السلوكي أن الأفراد لا يتخذون دائمًا قرارات مالية عقلانية؛ فقد أشار الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل ريتشارد ثالر إلى أن البشر يتأثرون بالمشاعر والرغبات الفورية أكثر من الحسابات الاقتصادية البعيدة المدى. فعندما يشاهد الفرد إعلانًا لرحلة حالمة إلى دولة أجنبية مع عبارة "سافر الآن وادفع لاحقًا"، فإنه غالبًا ما يركز على المتعة الحالية ويتجاهل تكلفة الأقساط والفوائد المستقبلية.

كما يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال نظرية "الاستهلاك الاستعراضي" التي قدمها الاقتصادي الأمريكي ثورستين فيبلن. فبعض الأفراد لا يسافرون فقط للاستمتاع؛ بل لإظهار نمط حياة معين أمام الآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا تتحول الرحلة من تجربة شخصية إلى وسيلة لإبراز المكانة الاجتماعية، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار المالي.

ومن جانب آخر، لا يمكن تجاهل مسؤولية البنوك والمؤسسات المالية. فالبنوك ليست مجرد جهات ربحية تمنح القروض وتسعى إلى تحقيق العوائد؛ بل هي أيضًا مؤسسات ذات دور اجتماعي واقتصادي مهم. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يكون تعزيز الثقافة المالية جزءًا أساسيًا من رسالتها؛ فبدلًا من التركيز المفرط على تسويق القروض الاستهلاكية، يمكن للبنوك أن تستثمر في برامج توعوية تساعد العملاء على إعداد الميزانيات الشخصية، وإدارة الديون، والادخار للمستقبل، وبناء صناديق للطوارئ.

النقد هنا لا يُوجَّه إلى جميع البنوك أو إلى فكرة التمويل بحد ذاتها؛ فالقروض قد تكون أداة إيجابية عندما تستخدم لتمويل مشروع أو الاستثمار. لكن المشكلة تظهر عندما يتم تشجيع الاقتراض لأغراض استهلاكية قصيرة الأجل لا تُولِّد دخلًا مستقبليًا يساعد على سداد الالتزامات المالية.

ولعل أحد أوجه النقد الموجهة للنظام المصرفي الحديث يتمثل في تركيزه على توسيع حجم الائتمان الاستهلاكي. فكلما زادت القروض، زادت الأرباح الناتجة عن الفوائد والرسوم. وهنا قد ينشأ تضاربٌ بين مصلحة المؤسسة المالية في تحقيق الأرباح ومصلحة العميل في الحفاظ على استقراره المالي. لذلك فإن المسؤولية الأخلاقية تقتضي تحقيق توازن بين الربحية وحماية المستهلك.

وتشير تقارير العديد من المؤسسات الدولية إلى أن ضعف الثقافة المالية يُعد من أهم أسباب التعثر المالي للأفراد؛ فالكثير من المقترضين لا يحسبون التكلفة الحقيقية للقرض، ولا يضعون في الاعتبار الظروف الطارئة مثل فقدان الوظيفة أو انخفاض الدخل أو زيادة الالتزامات الأسرية. وما يبدأ كقرض صغير لقضاء إجازة قد يتحول لاحقًا إلى عبء مالي يحد من قدرة الأسرة على الادخار أو الاستثمار أو حتى مواجهة الاحتياجات الأساسية.

في النهاية، لا أحد يعارض السفر أو الاستمتاع بالحياة، لكن الحكمة المالية تقتضي أن يكون السفر في حدود الإمكانات المتاحة، لا على حساب المستقبل المالي للفرد وأسرته؛ فالإجازة تنتهي بعد أيام أو أسابيع، أما الدَّين فقد يبقى سنوات. وربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه كل شخص على نفسه قبل توقيع أي عقد تمويل سياحي: هل أريد أن أعود من رحلتي بذكريات جميلة فقط، أم بذكريات جميلة وقسط شهري يرافقني لسنوات؟

إنَّ بناء مجتمع يتمتع بثقافة مالية عالية لا يتحقق فقط من خلال منح القروض؛ بل من خلال تعليم الناس كيف يديرون أموالهم بحكمة، وكيف يفرقون بين الرغبة والحاجة، وبين الاستهلاك والاستثمار. فالمجتمعات القوية ماليًا هي تلك التي تستهلك بعقل، وتدخر بوعي، وتقترض عند الضرورة، لا عند الإغراء.

** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z