د. خالد بن علي الخوالدي
كنت أتابع مقطع فيديو يتحدث عن عنوان المقال، وقد أسهب المقطع إلى أفكار كثيرة وتصرفات وتعاملات كثيرة في رحلة الحياة الطويلة، فكل واحد منا يمر بمحطات كثيرة، بعضها مليء بالفرح والنجاح وبعضها الآخر يحمل معه التحديات والعقبات والإخفاقات، وبين هذا وذاك يتعلم الإنسان دروسًا لا يمكن أن يتعلمها من الكتب أو من تجارب الآخرين، ومن أجمل ما تعلمنا إياه الحياة ألا نبكي على اللبن المسكوب.
عزيزي القارئ المحب، هي دعوة صادقة من قلب يتمنى لك الخير، ويقدم لك نصيحة مخلصة ليومك وغدك، بألا تتوقف حياتك عند موقف مؤلم أو خسارة أو قرار خاطئ، وتبقى أسيرًا لهذه المواقف، تسترجع التفاصيل وتردد: (لو أنني فعلت كذا) أو (ليت الأمر لم يحدث)، فمن أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، اجعلها قاعدة حياتية لكل ما يحدث في حياتك، ولا تنشغل بالبكاء على ما حدث، فهذا لن يغير الواقع ولن يعيد الزمن إلى الوراء.
من منا لا تمر عليه في حياته مشكلات عائلية قد تبدو معقدة وصعبة الحل، وقد نشعر أحيانًا معها أن الأبواب أُغلقت في وجوهنا، لكن الحكمة تقتضي أن نبحث عن الحلول بدل أن نستسلم للمشكلة، فكل مشكلة مهما كبرت تحمل في داخلها فرصة للتعلم والنضج واكتساب الخبرة.
وفي العمل أيضًا قد نواجه تحديات كثيرة، وقد نتعرض للإخفاق أو سوء الفهم أو فقدان فرصة كنا نطمح إليها، وربما نشعر بالإحباط عندما لا تسير الأمور كما خططنا لها، لكن الناجحين لا يقفون طويلًا عند محطات الفشل، وهذا هو ديدنهم لأنهم يصنعون من التحدي فرصة، ومن الفشل نقطة انطلاق نحو نجاح جديد، فالفشل في نظرهم ليس نهاية الطريق.
الحياة بطبيعتها ليست طريقًا مستقيمًا ومفروشًا بالورود، فالرسول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا مرسلًا ومؤيدًا من السماء، ولكنه تعرض للتحديات والمصاعب والمشاكل مع أسرته ومجتمعه وأصحابه وحياته الدعوية، واستطاع بحكمته أن يتخطى هذه التحديات، وكان إيجابيًا في أحلك المواقف وأصعبها، لذا استطاع أن يقود العالم كله حتى يومنا هذا.
إن كل تجربة نمر بها تضيف إلى رصيدنا شيئًا جديدًا من الحكمة والخبرة، ولذلك فإن الإنسان الذي يتعلم من أخطائه هو في الحقيقة إنسان يقترب أكثر من النجاح، بينما الذي يظل أسير الندم والحسرة يفقد الكثير من الفرص التي تنتظره في المستقبل.
جميل أن نراجع أخطاءنا ونتعلم منها، لكن ليس جميلًا أن نبقى أسرى لها، جميل أن نتذكر الدروس، لكن ليس جميلًا أن نحمل أوجاع الماضي معنا في كل خطوة، فالحياة لا تنتظر المترددين، والفرص الجديدة لا تزور إلا من يملك الشجاعة للمضي قدمًا، فحين يسقط اللبن على الأرض لا يمكن جمعه مرة أخرى، لكن يمكننا أن نحافظ على ما بقي، وأن نتعلم كيف نتعامل بحذر أكبر في المرات القادمة، وهكذا هي الحياة تمامًا، قد نخسر شيئًا اليوم لكننا نكسب خبرة تعيننا على النجاح غدًا.
لذلك لا تبكِ على اللبن المسكوب، ولا تجعل الماضي يقيد خطواتك نحو المستقبل، انظر إلى الأمام وابحث عن الحلول بدل التوقف عند المشكلات، واصنع من كل عثرة درسًا، ومن كل تحدٍّ فرصة، ومن كل تجربة بداية جديدة، فالحياة ما زالت مليئة بالأمل، وما دام الإنسان قادرًا على النهوض من جديد، فلا مكان للاستسلام ولا وقت للبكاء على ما فات، ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.
