د. يوسف بن حمد البلوشي
في كثير من الأحيان نقرأ التغيرات الجيوسياسية من زاوية أسعار النفط أو حركة الموانئ أو اضطراب سلاسل الإمداد؛ إذ إن هذه كلها زوايا مهمة بلا شك، خصوصًا بالنسبة لاقتصاد منفتح مثل الاقتصاد العُماني، يرتبط بالعالم عبر الطاقة والتجارة والخدمات والتمويل، لكن هناك زاوية أخرى لا تقل أهمية، وربما لم تأخذ حقها الكافي في النقاش الاقتصادي العام، وهي زاوية الطلب.
التغيرات الجيوسياسية لا تؤثر في الاقتصاد فقط عندما يُغلق ممر بحري أو ترتفع كلفة الشحن أو تتغير أسعار الطاقة؛ بل إنها تبدأ أحيانًا قبل ذلك بكثير، عندما تدخل هذه التغيرات إلى عقل المستهلك، وحسابات المستثمر، وتقديرات الحكومة، وتوقعات القطاع الخاص. هنا لا تكون الجيوسياسة حدثًا خارجيًا فقط؛ بل عاملًا داخليًا يُعيد تشكيل السلوك الاقتصادي.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كيف نحمي الاقتصاد العُماني من الصدمات الجيوسياسية؟ وإنما: كيف تؤثر هذه الصدمات على الطلب داخل الاقتصاد؟ من يستهلك؟ ومن يستثمر؟ ومن يؤجل قراره؟ ومن ينتظر حتى تتضح الصورة؟!
الاقتصاد لا يتحرك بالأرقام وحدها، ولكن بالتوقعات كذلك؛ إذ إنه عندما ترتفع درجة عدم اليقين تميل الأُسر إلى الحذر، فقد لا يتوقف الاستهلاك، لكنه يتغير؛ إذ تتراجع الرغبة في شراء السلع المُعمِّرة، وتُؤجَّل القرارات المالية الكبيرة، ويزداد الميل إلى الادخار الاحترازي. وهذا السلوك مفهوم؛ فالمستهلك لا ينتظر بالضرورة أن تتغير الأسعار فعليًا حتى يراجع قراراته؛ بل يكفي أن يشعر أن المرحلة المقبلة أكثر غموضًا حتى يصبح أكثر تحفظًا.
وهذه ليست فكرة نظرية فقط؛ فدراسة حديثة صادرة عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في الولايات المتحدة، اعتمدت على مسوح لتوقعات المستهلكين في منطقة اليورو، وجدت أن القلق من التوترات الجيوسياسية ينعكس مباشرة على قرارات الشراء، وقد ارتفع متوسط قلق الأسر الأوروبية من 5.7 درجة من أصل 10 في ديسمبر 2024 إلى 7.1 درجة في مارس 2025، كما بلغت نسبة الأسر التي عبّرت عن أعلى مستوى من القلق 20%.
والأهم من ذلك أن هذا القلق لم يبقَ مجرد شعور عام؛ فقد ارتبط ارتفاع القلق الجيوسياسي بدرجة واحدة بانخفاض إنفاق الأسر على السلع المُعمِّرة بنحو 4.5%، كما تراجع احتمال شراء السلع الكبيرة مثل الأجهزة المنزلية أو الأثاث أو الإلكترونيات، بمقدار 1.2 نقطة مئوية خلال ستة أشهر.
هذه الأرقام تقول شيئًا مهمًا للاقتصاد العُماني: إن الصدمة الجيوسياسية لا تنتظر حتى تظهر في حركة الموانئ أو في سعر النفط أو في فاتورة الشحن والتأمين، وأحيانًا تبدأ من سؤال بسيط داخل الأسرة: هل أشتري الآن أم أنتظر؟ وحين يتكرر هذا السؤال على نطاق واسع، يتحول الحذر الفردي إلى تباطؤ في الطلب، ثم إلى ضغط على المتاجر والخدمات والمشروعات الصغيرة، ثم إلى مزاج اقتصادي عام أكثر تحفُّظًا.
في حالة الاقتصاد العُماني، يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة؛ فالاستهلاك الخاص ليس مجرد رقم في الحسابات القومية؛ بل هو جزء من حركة الأسواق، والتجزئة، والخدمات، والعقار، والسياحة الداخلية، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. عندما يصبح المستهلك أكثر حذرًا، فإن أثر ذلك لا يبقى داخل الأسرة؛ بل ينتقل إلى المتجر، والمطعم، وشركة النقل، والمُورِّد، والمستثمر الصغير.
وهنا تظهر المفارقة؛ فقد ترتفع أسعار النفط في أوقات التوتر، ويبدو ذلك إيجابيًا للمالية العامة وللمؤشرات الكلية، لكن أثر التوتر نفسه على ثقة المستهلك والمستثمر قد يكون معاكسًا. بمعنى آخر، قد تحصل الدولة على مساحة مالية أفضل من ارتفاع أسعار الطاقة، بينما يصبح القطاع الخاص أكثر حذرًا في الإنفاق والاستثمار. وهذه المفارقة يجب أن تُقرأ بعمق؛ لأن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بارتفاع الإيرادات العامة؛ بل بقدرة النشاط الاقتصادي على الاستمرار والتوسع بثقة.
أما الاستثمار الخاص، فهو أكثر حساسية لفكرة الانتظار؛ حيث إن المستثمر في العادة لا يحب الغموض، وعندما تتغير كلفة التمويل أو ترتفع مخاطر المنطقة أو تضطرب التجارة العالمية، لا يلغي المستثمر قراره دائمًا، لكنه يُعيد حساباته. قد يؤجل التوسع أو يطلب عائدًا أعلى أو يختار مشروعًا أقل مخاطرة أو ينتظر إشارات أوضح من السوق والسياسة والتمويل.
وفي هذا السياق، لا تكفي اللغة العامة عن الفرص؛ فالحديث عن أن سلطنة عُمان تمتلك موقعًا مهمًا أو موانئ متقدمة أو علاقات متوازنة، هو حديث صحيح، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى استثمار، والمطلوب هنا أن تتحول هذه المزايا إلى مسارات واضحة: أي قطاعات نستهدف؟ وأي منتجات نريد؟ وأي أسواق نسعى لها؟ وأي شركاء نستقطبهم؟ وأي حزمٍ تنفيذيةٍ يمكن أن تقنع المستثمر بأن سلطنة عُمان ليست فقط بلدًا مستقرًا؛ بل بيئة قادرة على تحويل الاستقرار إلى عائد اقتصادي؟
ثم يأتي دور الإنفاق الحكومي، وهو أكثر مكونات الطلب تعقيدًا في زمن التغيرات الجيوسياسية؛ ففي المدى القصير قد تمنح أسعار الطاقة المرتفعة مساحة مالية إضافية، وقد يُساعد الإنفاق العام في دعم النشاط الاقتصادي، لكن الخطر أن يتم التعامل مع الإيرادات المؤقتة كما لو كانت دائمة. هذه واحدة من أهم الدروس التي يجب ألا تغيب عن الإدارة الاقتصادية في الدول المصدرة للنفط.
إن ارتفاع الإيرادات في زمن التوتر لا ينبغي أن يقود إلى توسع إنفاقي غير محسوب؛ بل إلى إعادة ترتيب الأولويات وتعزيز الاحتياطيات، وخفض الهشاشة المالية، وتمويل المشاريع الإنتاجية، وتسريع الاستثمارات التي ترفع القدرة التنافسية للاقتصاد؛ فالإنفاق الحكومي المطلوب ليس إنفاقًا يملأ الفراغ مؤقتًا؛ بل إنفاق يصنع طلبًا مستدامًا، ويرفع الإنتاجية، ويفتح المجال أمام القطاع الخاص.
أما صافي الصادرات، فهو قناة أخرى لا تقل أهمية؛ إذ إن التغيرات الجيوسياسية قد تُضعف الطلب الخارجي أو تُعيد توجيه التجارة أو ترفع تكاليف النقل والتأمين أو تُغيِّر حسابات المستوردين والمصدرين، وهذا يعني أن الصادرات العُمانية -سواء كانت سلعية أو خدمية- تحتاج إلى قراءة أكثر ديناميكية للأسواق. ولم يعد كافيًا أن ننتج وننتظر الطلب الخارجي؛ بل يجب أن نبحث عن الطلب ونبنيه ونحميه وننوعه.
إن التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد العُماني في هذه المرحلة لا يتمثل فقط في مواجهة الصدمات؛ بل في فهم طريقة انتقالها؛ فبعض الصدمات لا تبدأ من حركة الموانئ ولا من سوق النفط، وإنما من التوقعات؛ حيث تبدأ عندما يصبح المستهلك أكثر خوفًا، والمستثمر أكثر ترددًا، والبنك أكثر تحفُّظًا، والحكومة أكثر حذرًا. عندئذٍ يتأثر الطلب الكلي حتى لو لم يحدث تراجع مباشر في القدرة الإنتاجية.
لذلك.. فإن إدارة الاقتصاد في عالم مضطرب تحتاج إلى أدوات جديدة؛ حيث نحتاج إلى متابعة مؤشرات الثقة لا مؤشرات الإنتاج فقط، ونحتاج إلى قراءة سلوك الأُسر لا أسعار النفط فقط، ونحتاج إلى فهم قرارات المستثمرين لا حجم الاستثمارات المُعلنة فقط، ونحتاج إلى سياسات مالية واستثمارية وتجارية تعمل معًا، دون أن تكون كل واحدة في معزل عن الأخرى.
وطننا الحبيب، سلطنة عُمان، يمتلك عناصر قوة مهمة؛ من استقرار سياسي، وعلاقات خارجية متوازنة، وموقع جغرافي، وموانئ، ومناطق اقتصادية، وإطار تنموي واضح، من خلال رؤية "عُمان 2040"، لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من امتلاك العناصر إلى تشغيلها، بحيث تتحول هذه المزايا إلى ثقة في السوق، وطلب فعلي، واستثمار قادر على الاستمرار.
لذلك فإن التعامل مع التغيرات الجيوسياسية لا ينبغي أن يبقى محصورًا في إدارة المخاطر المباشرة؛ بل يجب أن يمتد إلى إدارة التوقعات داخل الاقتصاد؛ فالثقة أصبحت جزءًا من معادلة النمو، والطلب لم يعد يتحرك فقط وفق الدخل والأسعار؛ بل وفق شعور الأفراد والشركات بدرجة الأمان والوضوح في المرحلة المقبلة. ومن هنا تبدو مهمة الاقتصاد العُماني في السنوات المقبلة أكثر دقة: أن يحافظ على استقراره، وأن يحول هذا الاستقرار إلى ثقة، ثم أن يحول الثقة إلى استهلاك واستثمار وإنتاج.
إن الاقتصادات القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود أمام الصدمات، وإنما بقدرتها على منع الخوف من التحول إلى ركود، والتريث من التحول إلى تعطيل، والانتظار من التحول إلى مزاج اقتصادي عام... وهذه هي المعركة الاقتصادية الأهم في زمن التغيرات الجيوسياسية: كيف نبقي الطلب حيًا، والثقة قائمة، والاستثمار قادرًا على النظر إلى المستقبل لا إلى المخاطر وحدها؟
