"حزب الله".. مقاومة لا يمكن شطبها

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

رغم كل التضحيات الجسيمة، والنتائج العظيمة التي يحققها، ما زال البعض يُصر على تكرار خطاب يختزل "حزب الله" في كونه أداة إيرانية، متناسيًا تاريخه وبيئته الاجتماعية ودوره في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، واعتبار كل ذلك لا وجود له. وفي رأيي أن هذه المقاربة مُسيَّسة وغير مُنصِفة، وتتجاهل الوقائع والواقع.

حزب الله، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، ليس جسمًا هبط على لبنان من السماء، فهو مُكوِّن لبناني نشأ في سياق تاريخي محدد فرضه الاجتياح الإسرائيلي عام 1982م، واحتلال أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية، في وقت عجزت فيه الدولة والقوى السياسية التقليدية عن توفير معادلة ردع أو تحرير، كما عجزت أو تعامت الدول العربية التي تدعي مصلحة لبنان والدفاع عن لبنان. ومن هنا بالضبط اكتسب حزب الله شرعيته الأساسية لدى قطاع واسع من اللبنانيين، وليس من علاقته بإيران، أو من تبنيه لفكر أو لرؤية محددة، وإنما فقط من دوره وتضحياته وجدارته في مقاومة الاحتلال.

اللافت أن ذلك الخطاب يتحدث مطولًا وبشكل ممل وخالٍ من الحياء عن الكلفة التي تحملها لبنان بسبب المقاومة، ويتجنب عن عمد وبدون حياء الحديث عن كلفة الاحتلال نفسه، وعن طرح أسئلة من مثل: هل كانت إسرائيل ستنسحب من جنوب لبنان بالمفاوضات؟ وهل كانت الاعتداءات المتكررة على السيادة اللبنانية ستتوقف بالطلب والمودة؟

إن احتساب خسائر المقاومة دون احتساب خسائر الاحتلال، محاكمة ظالمة لرد الفعل مع تجاهل الفعل الأصلي الذي أنتجه، كما أن تصوير لبنان وكأنه كان على وشك أن يصبح نموذجًا للاستقرار والازدهار لولا حزب الله، هو تجاهل لحقائق التاريخ اللبناني نفسه، قديمه وحديثه؛ فالأزمات الطائفية والانقسامات السياسية والتدخلات الخارجية سبقت ظهور الحزب بعقود، وهي مستمرة وواضحة، وتسبق حزب الله بمراحل، كما أن الارتهان للخارج لم يكن في أي يوم حكرًا على طرف واحد. فقد ارتبطت قوى لبنانية مختلفة، ولا تزال مرتبطة بنفس الحبل وأسوأ، بدول ومحاور إقليمية ودولية متعددة، لكن هذا الارتباط لا يُستحضر بالقدر نفسه حين يكون الحديث عن خصوم إيران.

أما في العراق وسوريا واليمن، فإن اختزال أزمات معقدة ومتعددة الأسباب في النفوذ الإيراني لا يقدم التفسير الحقيقي ولا حتى العقلاني والمقبول لما جرى ويجري؛ لأن هذه البلدان شهدت احتلالات وحروبًا أهلية وتدخلات إقليمية ودولية وصراعات داخلية عميقة، ولا يمكن مهما حاولنا فهم ما حدث فيها عبر نفس الرواية الأحادية التي تلقي بالمسؤولية كاملة على طرف واحد، وتتعامى عن بقية الفاعلين.

الدولة الوطنية القوية التي تملك بمفردها السلاح والقرار السياسي هدف مشروع ومطلوب، لكن السؤال الذي يتجاهله أصحاب هذا الخطاب هو: أين كانت هذه الدولة عندما احتُل الجنوب اللبناني؟ وأين كانت قدرتها على حماية الأرض والسيادة؟ وما هي حدود قدرتها اليوم؟! المقاومة لم تنشأ في مواجهة دولة قوية وقادرة، وجميعنا يعرف أنها نشأت في ظل فراغ وعجز كامل.

المشكلة في هذا النوع من الخطابات ليست في حقه في انتقاد حزب الله، فالنقد السياسي حق مشروع، وإنما في أنه يطلب من الناس أن يتذكروا كل شيء إلا الاحتلال الإسرائيلي، وأن يحاسبوا المقاومة على أثمان الصراع دون أن يحاسبوا من صنع الصراع نفسه. في محاولات مكشوفة لتحويل الرواية من قراءة سياسية إلى سرديات انتقائية، تفتح عينًا وتُغمض عينًا، لترى نصف الحقيقة وتتجاهل نصفها الآخر.

يمكن لأي أحد -ومن حقه- أن يختلف مع حزب الله في السياسة أو في خياراته المحلية والإقليمية أو في رؤيته لمستقبل لبنان، وعقيدته النضالية، لكن لا يمكن شطب حقيقة أنه مُكوِّن لبناني نشأ من رحم بيئته الاجتماعية والوطنية، وأن آلاف اللبنانيين قدّموا في صفوفه تضحيات جسيمة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتكررة على لبنان. كما لا يمكن تجاهل أنه كان جزءًا قويًا من محور دعم المقاومة الفلسطينية في واحدة من أكثر مراحل الصراع العربي الإسرائيلي تعقيدًا وقسوة.

واختزال حزب الله وكل نضالاته وتضحياته في كونه أداة لإيران، لا يُعبِّر عن تاريخه ولا يُفسِّر حجم حضوره في المجتمع اللبناني، بقدر ما يكشف رغبة في تجاوز حقائق لا تنسجم مع سردية سياسية جاهزة؛ لأن الحركات لا يمكن أن تصمد لعقود طويلة بالتوجيه الخارجي وحده، وإنما بما تمتلكه من جذور اجتماعية وقناعات وقواعد شعبية ترى فيها التعبير الحقيقي عن قضاياها ومخاوفها وتطلعاتها، وهكذا كان ولا يزال حزب الله.

ولذلك فإن النقاش الجاد حول حزب الله يجب أن يبدأ من الاعتراف بحقيقة الحزب كما هي، وليس كما يرغب خصومه أو أنصاره في رسمها وتصويرها؛ فهو مكوّن لبناني مقاوم، لعب وما زال دورًا محوريًا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وشارك -وما يزال- في دعم القضية الفلسطينية، وأصبح جزءًا لا يمكن فصله من التاريخ السياسي المعاصر للبنان والمنطقة. أمَّا تحويله إلى أداة بلا إرادة أو هوية أو امتداد اجتماعي، فهي محاولة لتزوير الحقائق.

الأكثر قراءة

z