عادل بن سالم الحمداني**
ليس بغريب على دولة تمتلك إرثًا ثقافيًا وتاريخيًا غنيًا، وتنوعًا جغرافيًا وإنسانيًا لافتًا، وحرفًا تقليدية متنوعة، وقصصًا إنسانية قابلة لتحويلها إلى محتوى ثري، أن تتصدر المشهد عند الحديث عن الصناعات الإبداعية. وليس بمستبعد أن تنجح دولة تمتلك كل تلك المقومات في تحويل الثقافة من خانة الترفيه إلى مرتبة الضرورة التنموية الاستثمارية، والمورد الاقتصادي القادر على إيجاد فرص ذات قيمة مضافة.
كثيرًا ما كنت أفكر في عدد القصص المتاحة والحكايات الشعبية المتداولة في سلطنة عُمان التي يمكن أن تصبح فيلمًا أو مسلسلًا دراميًا أو مادةً لكتاب أو محتوى رقميًا قادرًا على الوصول إلى الجمهور في أي مكان، متجاوزًا الحدود الجغرافية عبر الفضاء الإلكتروني الواسع.
في كل مرة يُطرح فيها ملف الصناعات الإبداعية، تُذكر سلطنة عُمان بوصفها واحدة من الدول التي تمتلك رصيدًا ثقافيًا وتاريخيًا كبيرًا يُشكل قاعدة نموذجية واسعة للصناعات الإبداعية، ومخزونًا لا ينضب، إذا ما وُظف بشكل سليم، لجعل هذا البلد مُنتِجًا ثقافيًا بارزًا. وللقارئ أن يتخيل قطعةً فخارية، أو عملًا فنيًا مستوحًى من قصة محلية، أو تجربةً رقميةً تقدم محتوى ثقافيًا عُمانيًا، كيف لها أن تساهم في دورة اقتصادية بدأت من فكرة إبداعية وانتهت بقيمة مضافة تصب في الاقتصاد الوطني.
وإذا كانت بعض الدول تتباهى بآثار محفوظة في المتاحف والمواقع التاريخية، فإن سلطنة عُمان لديها ما هو أبعد من ذلك؛ فهي تمتلك تاريخًا بحريًا عريقًا، وإرثًا حضاريًا وثقافيًا متنوعًا، وحرفًا تقليدية، وفنونًا شعبية، وقصصًا إنسانية نابضة بالحياة. وكل ذلك يمكن تحويله إلى محتوى إبداعي جاذب للجمهور، ويحظى باهتمام المستثمرين.
اليوم لم تعد الصناعات الإبداعية رفاهيةً وترفًا ثقافيًا أو نشاطًا عاديًا، بل ضرورة تنموية وقطاعًا اقتصاديًا مهمًا قادرًا على المساهمة في الإنتاج المحلي، وعلى تعزيز العلامة الثقافية لأي بلد. فالصناعات الإبداعية تشمل مجالات متعددة مثل الفنون، والإعلام، والتصميم، والحرف التقليدية، وصناعة المحتوى الرقمي، والإنتاج المرئي، وغيرها من المجالات التي تعتمد على الفكرة قبل اعتمادها على المادة. وما يميز هذه الصناعات أن مادتها الخام غير ملموسة، وقيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على حفظ الهوية، وعلى أن تكون حلقة وصل بين الإرث التاريخي لكل بلد والفرص الاقتصادية المستقبلية.
خلال بحثي في هذا الملف، وتواصلي مع عدد من الجهات ذات العلاقة، وجدت أن عددًا من المؤسسات الحكومية والخاصة وضعت خططًا لتنشيط الصناعات الإبداعية، تماشيًا مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، التي تؤكد أهمية تنويع مصادر الدخل، وبناء اقتصاد معرفي ابتكاري، وتعزيز الهوية العُمانية، وتمكين الشباب العُماني.
على سبيل المثال، تقدم وزارة الثقافة والرياضة والشباب جملة من السياسات والاستراتيجيات الوطنية، وبرامج وطنية، ورعاية شاملة للمواهب، إلى جانب إطلاقها مبادرات تدريب وتطوير قيادي عبر برامج متخصصة بالتعاون مع جهات تعليمية ومهنية. كما تحرص على تنظيم الفعاليات الثقافية، والمعارض، والمهرجانات، التي تعد منصات لتقديم الإبداع المحلي.
وتتكامل جهود وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار مع هذه التوجهات من خلال توفير البيئة التنظيمية والقانونية المناسبة، عبر تسهيل تأسيس المشاريع، وتبسيط الإجراءات، وحماية حقوق المستثمرين المحليين في تأسيس وتوسيع شركاتهم، عبر منصات متكاملة لتحسين بيئة الاستثمار. كما تعمل الوزارة على دعم الابتكار، والمبدعين، وروّاد الأعمال، وتعزيز التنافسية، وبناء بيئة استثمارية تعزز نمو وتوسع المشاريع الاقتصادية.
وفي السياق ذاته، تؤدي هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة دورًا تكامليًا مهمًا في دعم رواد الأعمال العاملين في المجالات الإبداعية من خلال تدريبهم، وتأهيلهم، وإكسابهم مهارات التسويق والتخطيط المالي، إلى جانب إطلاق برامج وطنية للحرف والصناعات التقليدية، وإدماج الصناعات الإبداعية ضمن استراتيجيات التطوير الاقتصادي وفق رؤية "عُمان 2040".
وكما نلاحظ، فإن سلطنة عُمان تمتلك نقاط قوة واضحة فيما يتعلق بهذا المجال؛ منها الإرث الثقافي، والدعم الحكومي، والفعاليات والمهرجانات الثقافية، والوعي بأهمية ريادة الأعمال، إلى جانب الإمكانات التي توفرها التقنيات الحديثة في دمج التراث بالإبداع الرقمي.
ولا بد للمتتبع لمسارات العمل في الصناعات الإبداعية في سلطنة عُمان أن يلحظ ملامح هذا التحول. فالمهرجانات الثقافية والسياحية أصبحت فضاءات لإنتاج التجارب الإبداعية، وصناعة المحتوى، والترويج للهوية الوطنية. كما برزت شركات متخصصة في التصميم، والإنتاج المرئي، وصناعة الرسوم المتحركة، والهوية البصرية، وظهرت مبادرات تُقدم الحرف التقليدية بقالب عصري دون أن تفقد أصالتها.
مع ذلك، ما زالت هناك مساحات واسعة في سلطنة عُمان يمكن العمل عليها. فيمكن تحويل القصص الشعبية العُمانية إلى أعمال سينمائية أو منصات رقمية تفاعلية، ويمكن تحويل المواقع التاريخية إلى تجارب واقع افتراضي تجعل الزائر يعيش تفاصيل المكان وكأنه جزءًا من أحداثه، ويمكن نقل الحرف التقليدية من رفوف المعارض إلى الأسواق العالمية عبر التجارة الرقمية والتصميم الحديث.
وعلى الرغم من أن المستقبل يفتح أبوابه أمام هذه الصناعات، إلا أن الطريق لا يخلو من التحديات.
ما زالت هناك حاجة لتغيير النظرة السلبية تجاه الصناعات الإبداعية من خلال تعزيز الوعي بأهميتها، وتوفير المزيد من أدوات التمويل المخصصة للمشاريع الإبداعية، وتطوير أطر حماية الملكية الفكرية، وتعزيز العلاقة بين المبدع والسوق دون المساس بجوهر الإبداع والقيمة الثقافية للمحتوى.
في الختام، يمكن التأكيد على أن سلطنة عُمان لا تفتقر إلى مقومات الإبداع، فهي قادرة على توفير آلاف الوظائف، وتعزيز هويتها الوطنية، ورسم صورة ثقافية تتجاوز المحيط الإقليمي إلى العالمية، من خلال تحويل رصيدها الثقافي والتاريخي إلى صناعة إبداعية، ومن خلال تحويل العمل الفردي والاجتهادات الشخصية إلى منظومة مؤسسية متكاملة الأركان، ومن خلال التعامل مع الثقافة بوصفها استثمارًا استراتيجيًا لا عبئًا على الاقتصاد الوطني.
** كاتب وإعلامي عُماني
