حين تزهر العواصف

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

في رحلة الحياة الطويلة يمر كل إنسان بمحطات مختلفة تتباين فيها المشاعر والتجارب؛ فتارةً يشعر بالقوة والحماس والقدرة على مواجهة كل ما يعترض طريقه، وتارةً أخرى تثقل كاهله الهموم، وتدفعه الظروف إلى التوقف قليلًا ليلتقط أنفاسه ويعيد ترتيب أفكاره، وهذه الحالة ليست استثناءً أو علامةً على العجز، وإنما هي جزء أصيل من طبيعة الإنسان وتكوينه النفسي؛ فالحياة لا تسير على وتيرة واحدة، ولا تمنح أحدًا قدرةً دائمة على الثبات دون التأثر بما يحيط به من أحداث ومتغيرات.

كثيرًا ما نعتقد أن القوة تعني القدرة على التحمل المستمر دون شكوى أو تأثر لكن الواقع يكشف لنا أن الإنسان، مهما بلغ من الصلابة، يحتاج أحيانًا إلى لحظات من الراحة والهدوء والمراجعة الذاتية، فقد يظهر التعب في هيئة صمت طويل، أو انعزال مؤقت عن الآخرين، أو دمعة تنساب بعيدًا عن أعين الناس، ومع ذلك تبقى قيمة الإنسان ثابتة لا تنقصها تلك اللحظات شيئًا؛ لأنها تعبر عن مشاعره الطبيعية، وتؤكد حاجته الفطرية إلى الدعم والمساندة والاحتواء عندما تشتد عليه الظروف، ومن أجمل الصور التي يمكن أن تجسد هذه الحقيقة صورةُ الوردة في الحديقة فهي رمز للجمال والرقة والعطاء، ومع ذلك تواجه الرياح والأمطار وتقلبات الطقس باستمرار، تتعرض للانحناء أحيانًا تحت وطأة العاصفة وقد تتناثر بعض أوراقها، لكنها لا تتوقف عن التفتح متى أتيحت لها الفرصة، ولا تمتنع عن نشر عبيرها في الأرجاء، ومن هذا المشهد البسيط نتعلم درسًا عظيمًا؛ فالقيمة الحقيقية لا تتجسد في تجنب الصعوبات، وإنما في القدرة على الاستمرار رغم وجودها، وفي مواصلة العطاء رغم ما تتركه التحديات من أثر.

فالوردة لا تختار البيئة التي تنمو فيها ولا تتحكم في شدة الرياح التي تهب عليها، لكنها تتعامل مع واقعها بما تملكه من قدرة على التكيف والاستمرار، فكذلك الإنسان إذ يجد نفسه أحيانًا أمام ظروف لم يخترها، أو مواقف لم يكن يتوقعها، لكنه يملك دائمًا مساحة من الإرادة تساعده على التعامل معها والمضي قدمًا، ومن هنا تتضح حقيقة مهمة، وهي أن القوة لا تُقاس بعدد مرات السقوط، وإنما بعدد مرات النهوض والإصرار على مواصلة الطريق، وعندما تواجهنا الشدائد فإنها تكشف جوانب خفية من شخصياتنا لم تكن ظاهرة في أوقات الراحة والاستقرار، ففي لحظات التحدي تتجلى معاني الصبر، وتظهر قدرة الإنسان على الاحتمال والتكيف، كما تتكشف مهارات وإمكانات ربما لم يكن يدرك امتلاكه لها من قبل، ولذا نجد أن في أوقات كثيرة يخرج الإنسان من التجارب الصعبة وهو أكثر معرفة بنفسه، وأكثر إدراكًا لقدراته الحقيقية، وأكثر استعدادًا لمواجهة ما قد يحمله المستقبل من تحديات.

كما تمنحنا فترات الانكسار فرصة نادرة للتأمل وإعادة ترتيب الأولويات ففي زحام الحياة اليومية قد ننشغل بأمور كثيرة ونمنحها أهمية تفوق حجمها الحقيقي، ثم تأتي بعض المواقف الصعبة لتعيد إلينا وضوح الرؤية، عندها ندرك ما يستحق أن نبذل من أجله الجهد والوقت، ونعرف ما يمكن تجاوزه دون ندم أو تعلق، ومن خلال هذه المراجعة الصادقة تتشكل لدينا نظرة أكثر نضجًا للحياة، فنصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرارات التي تنسجم مع قيمنا وأهدافنا الحقيقية، ومن الثمار الجميلة التي تولد من رحم المعاناة أنها تعمق إحساسنا بالآخرين؛ فالإنسان الذي اختبر الألم بنفسه يصبح أكثر قدرة على فهم آلام غيره، وأكثر استعدادًا لمساندتهم والوقوف إلى جانبهم.

وعندما نتذوق مرارة التجارب الصعبة، نزداد وعيًا بحاجات الناس النفسية والعاطفية ونصبح أكثر رحمة ولينًا في التعامل معهم، وهكذا تسهم المحن في تعزيز قيم التعاطف والتراحم والتعاون، هي قيم يحتاج إليها المجتمع ليظل متماسكًا وقادرًا على مواجهة تحدياته المختلفة، وتظهر عظمة الإنسان كذلك في الطريقة التي يتعامل بها مع أوجاعه فهناك من يسمح للمعاناة أن تستنزف طاقته وتوقف مسيرته، وهناك من يجعل منها نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من العطاء والإبداع.

وكم من إنجاز عظيم أو فكرة ملهمة، أو مشروع ناجح، كان وراءه إنسان مرَّ بتجربة قاسية تركت أثرًا عميقًا في نفسه، فحوَّل ذلك الأثر إلى قوة دافعة نحو التغيير والتميز. وإن الاعتراف بالحزن أو التعب لا يقلل من قيمة الإنسان، وإنما يفتح أمامه بابًا للتجدد واستعادة التوازن والانطلاق من جديد بروح أكثر قوة ووعيًا.

وعندما نتقبل ما في حياتنا من لحظات ضعف وتعب نصبح أكثر تصالحًا مع أنفسنا، وأكثر قدرة على فهم طبيعتنا البشرية، كما نتعلم أن نمنح أنفسنا القدر الذي تستحقه من الرحمة والتقدير، وأن نتعامل مع أخطائنا وتعثراتنا بوعي وحكمة، بعيدًا عن القسوة واللوم المستمر، وهذا التقبل ينعكس إيجابًا على علاقتنا بالآخرين، فنصبح أكثر تفهمًا لمشاعرهم، وأكثر استعدادًا لتقديم الدعم لهم في أوقات حاجتهم، إن الحياة لا تخلو من العواصف مهما اختلفت أشكالها وأسبابها، لكن الجمال الحقيقي يكمن في قدرتنا على العبور بعدها بقلوب أكثر نضجًا وأرواح أكثر صفاءً، فكما تزداد الأرض بهاءً بعد المطر، وتنتشر رائحة الزهور في الأجواء بعد انقشاع الغيوم، يستطيع الإنسان أن يخرج من محنه أكثر حكمة وطمأنينة وثقة بنفسه.

وعندها يدرك أن الصعوبات لم تكن نهاية الطريق، وإنما كانت بداية لمرحلة جديدة أكثر إشراقًا وعمقًا؛ مرحلة تزهر فيها العواصف، وتمنح الحياة معاني أجمل مما كان يتصور.

الأكثر قراءة

z