من شِعب أبي طالب إلى حصار إيران

هل ينجح الحصار حين تفشل المواجهة؟

 

علي بن عبدالله اللواتي

عبر التاريخ لم تكن الحروب دائمًا بالسيف أو البندقية، فكثيرًا ما لجأت القوى السياسية إلى أساليب أخرى أقل ضجيجًا وأكثر تأثيرًا، منها الحصار.

فمنع التجارة، وتعطيل المصالح الاقتصادية، وعزل الخصم عن محيطه، كلها أدوات استُخدمت عبر العصور لإجبار الطرف الآخر على التراجع أو تغيير مواقفه.

وفي ظل التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، يعود إلى الأذهان واحد من أشهر أحداث التاريخ الإسلامي المبكر، وهو الحصار الذي عُرف باسم "شِعب أبي طالب" الذي فرضته قريش على المسلمين في السنوات الأولى من الدعوة الإسلامية. ورغم الفارق الهائل الزمني والظرفي بين الحدثين من حيث الزمان والمكان، فإن المقارنة بينهما تفتح بابًا للتأمل في طبيعة الحصار بوصفه أداة سياسية تتكرر بأشكال مختلفة عبر العصور.

عندما شعرت قريش أن الدعوة المحمدية الجديدة تهدد مكانتها الدينية والاقتصادية والاجتماعية، لم تلجأ في بداية الأمر إلى الحرب الشاملة، بل اختارت وسيلة الضغط الاجتماعي والاقتصادي، فكتبت صحيفة المقاطعة التي قضت بمنع البيع والشراء، والزواج والتواصل الاجتماعي، مع المسلمين، أملًا في أن تؤدي المعاناة الاقتصادية والاجتماعية إلى تراجع هؤلاء عن دينهم الجديد، وتخلي العشيرة عن حماية النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

كان الهدف من هذا التصرف واضحًا، استخدام الضنك المعيشي لتحقيق أكبر مكسب سياسي. وبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، تتكرر الفكرة ذاتها بأدوات وأساليب مختلفة، فالعقوبات الاقتصادية التي فُرضت على إيران خلال العقود الخمسة الأخيرة استهدفت الضغط عليها لدفعها إلى تغيير سياساتها الإقليمية وبرامجها الاستراتيجية.

ورغم اختلاف المجتمع المكي عن العالم اليوم، فإن منطق الضغط الاقتصادي بقي حاضرًا؛ لأجل زيادة كلفة الاستمرار مقابل تراجع كلفة المواجهة. غير أن التاريخ يقدم درسًا مهمًا، فالحصار لا يحقق دائمًا النتيجة التي يسعى إليها القوي، فقد خرج المسلمون من شِعب أبي طالب أكثر تماسكًا مما كانوا عليه قبل الحصار، وتحولت المحنة إلى عامل صلب عزز التضامن الداخلي بدلًا من أن يقضي الحصار عليه.

والأمر ذاته يمكن ملاحظته في تجارب حديثة؛ ففي العراق خلال تسعينيات القرن الماضي فُرضت عقوبات واسعة وقاسية، وبدون مبرر إنساني أو قانوني، لمجرد أن القوي (الولايات المتحدة الأمريكية) فرض جبروته على شعب أعزل وبريء. واستمرت لسنين عجاف طويلة، وكان الهدف المعلن تغيير سياسات الدولة العراقية وإجبارها على الالتزام بقرارات دولية معينة، لكن العقوبات تركت آثارًا إنسانية واجتماعية سلبية وعميقة، بينما ظل النظام السياسي قائمًا حتى عام 2003. وقد أثارت تلك التجربة نقاشًا عالميًا واسعًا، وجعلت العالم على مفترق طرق حول حدود فاعلية العقوبات الاقتصادية وجدواها السياسية.

أما في الأزمة الخليجية عام 2017، فقد تعرضت دولة قطر لإجراءات مقاطعة وإغلاق للمنافذ الحدودية (البرية والبحرية والجوية) من قبل عدد من دول المنظومة الخليجية، وكان الرهان أن تؤدي الضغوط الاقتصادية والسياسية إلى تغيير توجهات دولة قطر، إلا أنها تمكنت من إعادة ترتيب شبكاتها التجارية واللوجستية وتجاوز الأزمة حتى انتهت إلى المصالحة الخليجية.

وتشير هذه الأمثلة إلى حقيقة تاريخية متكررة، فالحصار قد يضعف الخصم، لكنه قد يدفعه أيضًا إلى البحث عن بدائل جديدة، وقد يولد شعورًا بالتضامن الداخلي ويخلق مقاومة تفوق ما كان قائمًا قبل فرضه. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للمقارنة بين شِعب أبي طالب وإيران أو العراق أو قطر لا تكمن في مساواة هذه الحالات بعضها ببعض، فلكل حالة ظروفها السياسية والتاريخية المختلفة، وإنما في فهم ظاهرة أوسع رافقت المجتمعات البشرية منذ القدم، وهي محاولة تحقيق الأهداف السياسية عبر الضغط الاقتصادي والاجتماعي. لقد تغيرت الأدوات من صحيفة معلقة في جوف الكعبة إلى أنظمة مالية عالمية وعقوبات مصرفية معقدة، لكن الفكرة الأساسية بقيت واحدة.

عندما تعجز الأطراف المتغطرسة عن فرض إرادتها بالحوار أو بالمواجهة المباشرة، تلجأ إلى أسلوب الحصار، ويبقى السؤال الذي يطرحه التاريخ في كل مرة: هل يؤدي الحصار فعلًا إلى إخضاع الخصم، أم أنه يمنحه أسبابًا إضافية صلبة للصمود والمقاومة؟

هذا السؤال لم يحسمه التاريخ بعد، وما زالت الإجابات عليه تتجدد مع كل أزمة جديدة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z