صالح بن سعيد الحمداني
خلال مشاركتي في دورة استراتيجيات إدارة منصات التواصل الاجتماعي التي نظمتها جمعية الصحفيين العُمانية، دار نقاش ثري بين المشاركين والمدربة علياء الجرداني حول مفهوم الرقابة، وكيف يمكن بناء رقابة نزيهة تبدأ من داخل الإنسان قبل أن ترتبط بالأنظمة والقوانين، وقد أثار هذا الحوار اهتمامي، ودفعني إلى التأمل في هذه الفكرة من جوانب متعددة، فوجدت أنها تستحق التوقف عندها، ومن هنا جاءت رغبتي في طرح رؤيتي المتواضعة حولها.
في كل مجتمع يسعى إلى ترسيخ حرية التعبير وتبادل الأفكار، تبرز قضية الرقابة كموضوع يرتبط بحياة الأفراد والمؤسسات، وغالبًا ما ينصرف التفكير إلى الرقابة القانونية وما تتضمنه من تشريعات تنظم حدود النشر والكلام، مع وجود نوع آخر من الرقابة يمتلك تأثيرًا عميقًا في السلوك اليومي، وهي الرقابة الذاتية التي يمارسها الإنسان على أفكاره وكلماته قبل ظهور أي تدخل خارجي. تتميز الرقابة القانونية بوضوح مصدرها وحدودها والعواقب الناتجة عن تجاوزها، بينما تعمل الرقابة الذاتية بصورة هادئة داخل الإنسان، وتتأثر بعوامل اجتماعية وثقافية ومهنية ونفسية حتى تصبح جزءًا من طريقة التفكير واتخاذ القرارات، وقد يجد الفرد نفسه، مع مرور الوقت، يتراجع عن طرح فكرة، أو يغير صياغة رأي، أو يختار الصمت، بسبب مخاوف مرتبطة بردود فعل الآخرين أو بتأثير ذلك على مكانته ومصالحه.
تكمن صعوبة الرقابة الذاتية في أنها لا تحتاج إلى أوامر مباشرة حتى تظهر، فهي تنمو عندما يعتقد الإنسان أن الصمت أكثر أمانًا من الحديث، وأن الابتعاد عن النقاش أقل تكلفة من المشاركة فيه، عندها يبدأ الشخص بمراقبة نفسه، فينتقي عباراته بعناية، ويتجنب الموضوعات الحساسة، ويبتعد عن الأفكار التي قد تثير الجدل، حتى عندما تكون جديرة بالحوار، ويظهر هذا الأمر بوضوح في المجال الإعلامي، حيث قد يمتلك الصحفي معلومات موثوقة وأدلة تدعم ما يكتب، ثم يتردد في نشرها بسبب حسابات تتعلق بمسيرته المهنية أو علاقاته أو توقعاته تجاه ردود الأفعال، كما قد يختار الكاتب أو الباحث أو الأكاديمي الابتعاد عن بعض القضايا المهمة خشية أن يتحول النقاش حولها إلى مصدر للضغوط أو الإشكالات.
ولا يقتصر تأثير الرقابة الذاتية على الإعلام، فهي تمتد إلى الجامعات وبيئات العمل والمنصات الرقمية، وحتى العلاقات الأسرية، فقد يمتلك الموظف أفكارًا قادرة على تطوير العمل، ثم يفضل الاحتفاظ بها تجنبًا لأي رد فعل سلبي، وقد يحجم بعض مستخدمي المنصات الاجتماعية عن التعبير عن آرائهم خوفًا من الانتقاد أو سوء الفهم أو تأثير ذلك على علاقاتهم، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الرقابة الذاتية أكثر حضورًا؛ إذ يمكن لأي كلمة أن تصل إلى جمهور واسع خلال وقت قصير، وأي تعليق قد يخضع لتفسيرات مختلفة، لذلك يراجع كثيرون منشوراتهم مرات عدة قبل نشرها، وقد يتراجعون عنها بعد التفكير في نتائجها المحتملة، وهكذا تحولت بعض المساحات الرقمية من أدوات لتعزيز الحوار إلى بيئات تدفع نحو مزيد من الحذر.
كما تزداد الرقابة الذاتية عندما يشعر الإنسان بأن صورته أمام المجتمع تحت المراقبة المستمرة، فالرغبة في الحفاظ على القبول الاجتماعي قد تدفع البعض إلى إخفاء آرائهم أو تجنب التعبير الصريح عن قناعاتهم، ومع استمرار هذا السلوك يتحول الصمت إلى عادة يصعب تغييرها، وتتجاوز أسباب الرقابة الذاتية الخوف من العقوبات الرسمية؛ فقد تنشأ نتيجة ضغوط المجتمع أو طبيعة البيئة المحيطة أو الرغبة في تجنب الخلافات، لذلك قد تستمر حتى في البيئات التي توفر مساحة واسعة للتعبير، لأن الإنسان قد يضع لنفسه قيودًا تفوق القيود المفروضة عليه.
كما أن المؤسسات قد تعزز هذا النوع من الرقابة عندما تغيب عنها ثقافة الحوار وتقبل الاختلاف، فعندما يشعر الموظف أن النقد يقابل بالرفض، أو أن الأفكار الجديدة لا تجد اهتمامًا، فإنه يميل إلى الاحتفاظ بآرائه، فتفقد المؤسسة فرصًا مهمة للتطوير والابتكار، وفي المجال الثقافي تؤثر الرقابة الذاتية في الإبداع والإنتاج الفكري، فقد يعيد الكاتب صياغة نصه مرات كثيرة، أو يستبعد أفكارًا وشخصيات وقضايا مهمة بسبب توقعه للاعتراضات، ونتيجة لذلك يخسر المجتمع جانبًا من التنوع الفكري الذي يمنح الثقافة حيويتها وعمقها.
الحديث عن مخاطر الرقابة الذاتية لا يعني الدعوة إلى التعبير دون مسؤولية، فحرية الرأي ترتبط دائمًا بالوعي واحترام الآخرين والالتزام بالقيم المهنية والأخلاقية، غير أن هناك فرقًا واضحًا بين التعبير المسؤول والخوف الذي يمنع الإنسان من مشاركة أفكاره بطريقة متزنة ومحترمة.
وإن المجتمعات التي تدعم الحوار المفتوح وتحترم اختلاف الآراء وتوفر بيئة آمنة للنقاش، تساعد على تقليل أثر الرقابة الذاتية، فعندما يشعر الفرد بأن صوته مسموع، حتى مع وجود اختلاف، يصبح أكثر استعدادًا للمشاركة، ويتحول الحوار إلى وسيلة للبناء وتبادل المعرفة.
وتبقى الرقابة القانونية إطارًا واضحًا يمكن فهمه ومناقشته، بينما تحمل الرقابة الذاتية تعقيدًا أكبر لأنها تنبع من داخل الإنسان، وعندما يصبح الخوف هو العامل المسيطر على التعبير، تتراجع مساحة الحوار وتضيع أفكار كثيرة كان يمكن أن تسهم في التطور والإصلاح، ولذلك تظل الرقابة الذاتية من أكثر أشكال الرقابة تأثيرًا، لأنها تعمل بهدوء داخل العقول قبل أن تظهر في الكلمات والمنشورات، فتؤثر في قدرة الإنسان على التعبير عن قناعاته بثقة ومسؤولية.
