د. إبراهيم بن سالم السيابي
يأتي العاشر من محرم من كل عام، فتعود كربلاء إلى الذاكرة لا كحادثة طواها الزمن، بل كقصة ما زالت حية في وجدان الأمة، وكجرح قديم لم تمنحه القرون حق النسيان.
ففي تلك البقعة من الأرض، وقف الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وسيد شباب أهل الجنة، محاطًا بأهل بيته وقلة من أصحابه، في مواجهة كان يعلم منذ بدايتها أنها ليست مواجهة متكافئة. كان يدرك أن الطريق الذي اختاره لن يقوده إلى نصر عسكري أو مكسب دنيوي، لكنه آمن أن بعض المواقف لا تُقاس بنتائجها القريبة، بل بما تتركه من أثر في ضمير الإنسان والتاريخ.
ثم جاءت كربلاء بما حملته من ألم وفقد ومشاهد لا تزال تهز القلوب بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا. رجال يسقطون واحدًا بعد آخر، وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يواجهون مصيرهم بثبات نادر، ونساء يحملن من الحزن ما تعجز الكلمات عن وصفه.
ويبقى في الذاكرة ذلك المشهد الإنساني العميق؛ زينب الكبرى وهي تنظر حولها فلا تكاد ترى وجهًا من الوجوه التي أحبتها بالأمس. إخوة رحلوا، وأبناء إخوة غابوا، وبيوتٌ امتلأت بالصمت بعد أن كانت عامرة بالأحبة. في لحظات قليلة تبدل عالمها كله، وتحولت كربلاء من أرض خرجت إليها مع أهلها إلى أرض ودعت فيها أعز الناس إلى قلبها.
كان يكفي ذلك المشهد ليكسر أقوى القلوب، لكن زينب لم تسمح للحزن أن يدفن الرسالة مع أصحابها. حملت وجعها في قلبها، ومضت تكمل الطريق، وكأنها تحفظ لكربلاء صوتها، وللحسين رسالته، وللأمة معنى لا ينبغي أن يضيع.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل بعد كل هذه القرون ليس كيف استشهد الإمام الحسين فحسب، بل لماذا بقي حاضرًا في وجدان الأمة كل هذه السنين؟
ففي التاريخ رجال كثيرون قُتلوا، ومعارك لا تُحصى وقعت وانتهت، لكن القليل منها بقي حيًا في ذاكرة الناس. وبقي الإمام الحسين ليس لمكانته العظيمة في النسب الشريف فحسب، ولا لكونه سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن فاطمة الزهراء، بل لأن تلك المكانة اقترنت بموقف لا يُنسى؛ موقف الثبات على ما يراه حقًا، مهما كان الثمن.
ولهذا اجتمع في شخصه شرف القرب من بيت النبوة وعظمة المبدأ، فبقيت ذكراه حية في القلوب، وبقي اسمه حاضرًا كلما ذُكرت الكرامة والثبات على الحق.
ولهذا فإن أعظم ما تعلمناه من إحياء ذكرى كربلاء ليس البكاء على الإمام الحسين فحسب، بل فهم رسالته. تعلمنا أن الحق لا يُقاس بالعدد، وأن الإنسان قد يقف وحيدًا لكنه لا يكون ضعيفًا ما دام ثابتًا على قناعة صادقة. وتعلمنا أن الكرامة ليست شعارًا، بل موقفًا يُختبر عند الشدة.
ولعل من أعمق ما تبثه كربلاء في الوجدان أن القوة ليست في الغلبة، بل في الثبات على المبدأ، وأن الإنسان يمكن أن يكون ضعيفًا في أدواته، لكنه عظيم في موقفه، خالدًا في أثره.
وحين ننظر إلى ما يجري من حولنا اليوم، نرى عالمًا يتغير، وموازين تُعاد صياغتها، وشعوبًا باتت أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها وحقوقها. وقد لا نتفق جميعًا على قراءة التفاصيل، لكننا نتفق أن مرحلة جديدة تتشكل أمام أعيننا، وأن أمتنا بدأت تستعيد شيئًا من ثقتها بنفسها، وتصبح أكثر قدرة على أن تُسمع صوتها، وأن تدافع عن قضاياها بثبات ووضوح.
وحين ننظر إلى معنى السلام في حياة الناس، ندرك أنه لا يقوم على الإكراه أو الغلبة، بل على العدالة والإنصاف والاعتراف بالآخر. فحين تُصان الكرامة، يصبح السلام ممكنًا، وحين يُحترم الإنسان، يصبح التعايش أوسع وأعمق.
وهكذا تعود كربلاء لتقول بهدوء: إن المبدأ إذا صدق لا يموت، وإن القيم إذا ثبتت صنعت أثرها ولو بعد حين، وإن الإنسان حين يتمسك بما يؤمن به لا يخسر نفسه، حتى لو خسر كل شيء آخر.
وهكذا تبقى كربلاء، لا مجرد ذكرى تُروى، بل رسالةٌ لا تزال تصنع معناها في كل زمن.
رحم الله الإمام الحسين بن علي، سيد شباب أهل الجنة، ورحم زينب الكبرى وأهل بيت النبي الكرام، وجعل من سيرتهم نورًا للأجيال، يذكرنا دائمًا أن الكرامة لا تُشترى، وأن العدل لا يسقط بالتقادم، وأن الأمل يبقى حيًا ما بقي في الناس من يتمسك بالحق ويؤمن أن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
