رؤية سياسية متزنة

 

 

محمد بن رامس الرواس

 

​ لطالما كانت ولا تزال سلطنة عُمان نموذجًا استثنائيًا في إدارة العلاقات السياسية الدولية، كونها متمسكة بصوت الحكمة والاتزان والنهج الأصيل الذي لا يحيد عن مبادئه وقِيَمه العُمانية المتجذرة. ولقد جاء اجتماع مجلس الوزراء الذي ترأسه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -أيده الله- بمثابة خريطة طريق متجددة تؤكد أن الرؤية العُمانية ليست مجرد سياسة عارضة؛ بل هي منظومة قيمية راسخة تهدف إلى وجود مجتمع إقليمي ودولي أكثر سلامًا واستقرارًا.

إن استراتيجية التوازن والعلاقات القائمة على المصالح المشتركة والسلام والاستقرار وقيم الحوار تضع منها السلطنة مستهدفاتها في العلاقات الخارجية، وركيزة أساسية؛ فلم يكن يومًا مفهوم الدبلوماسية في القاموس العُماني محصورًا في المصالح الضيقة، بل يمتد ليشمل توطيد العلاقات الاقتصادية والتنموية مع مختلف دول العالم شرقًا وغربًا، حيث إن سلطنة عُمان، بفضل رؤية متجذرة، تتحرك كجسر للتفاهم والحوار، مما يجعل علاقاتها المتوازنة ثابتة مع القوى الإقليمية والدولية، مستهدفةً دعم التنمية وتحقيق الازدهار الاقتصادي المشترك وبناء ديمومة السلام التي لا تنفصل عن استقرار المحيط الإقليمي والعالمي.

لا يمكن قراءة النهج العُماني دون العودة إلى "السمت العُماني". هذا السمت، الذي يمزج بين الأصالة والقدرة على التعامل مع الظروف المتغيرة بحكمة، هو القوة الناعمة التي تميز الشخصية العُمانية في المحافل الإقليمية والدولية.

إن الاتزان العُماني في العلاقات السياسية هو انعكاس لثقافة أن الحلول العقلانية دائمًا ما تكون هي الأكثر ديمومة، وفي هذا السياق يبرز دور مميز للإعلام العُماني العام والخاص كشريك استراتيجي يتبنى نهجًا عقلانيًا في طرح القضايا، مقدمًا المصلحة الوطنية العليا فوق أي اعتبارات أخرى، ومدافعًا عن القضايا العادلة بلغة تتسم بالرزانة والوضوح.

ورسالة سلطنة عُمان للعالم تبرز عبر أربع قيم جوهرية صاغت هوية السلطنة في علاقتها بالآخرين؛ سأسردها على عجالة؛ أولها: الإنسانية، منطلقة من نهج ديننا الحنيف وقرآننا الكريم وسنة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، ومن ثم من القيم العُمانية الأصيلة الراسخة. ثاني هذه القيم الجوهرية المسؤولية؛ مدركةً أن الدور المحوري لها عبر التاريخ هو تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي. وثالث هذه القيم العدالة، التي تتمثل في الحكمة السياسية التي توازن بين الحقوق والواجبات في المواقف الدولية. ورابع هذه القيم السلام؛ الذي يظل الغاية الأسمى التي تنشدها السلطنة، حيث تعمل عبر تاريخها المشرف على بناء ومد جسور التواصل مع الأمم والشعوب لأجل بناء مجتمعات آمنة مستقرة.

إن المتأمل في مسيرة سلطنة عُمان اليوم يجد أنها تمضي بخطوات واثقة ومستمرة في نهجها المتوازن، ففي وقت تشتد فيه الاستقطابات الدولية، تظل السلطنة متمسكة بمبادئ الحوار والتفاهم أساسًا للحلول، وبمبدأ الاحترام المتبادل بين الدول والشعوب، وهذا ما حدث في موقفها الثابت في الأزمة الأخيرة بالخليج حتى انتهت باتفاق وتفاهم ووقفٍ للحرب.

ستظل سلطنة عُمان -دائمًا وأبدًا- صوتًا للحق، ومنارةً للحكمة، وواحةً للاستقرار، تؤدي دورها التاريخي بكل إنسانية وأمانة ومسؤولية وإخلاص وعدالة في بناء مجتمع إقليمي متفاهم ومتعاون لأجل رخاء الأجيال الحالية والمستقبلية.

الأكثر قراءة

z