مرتضى بن محمد جواد الجمالاني**
إن تعزيز ثقافة الادخار والتوفير والحماية المالية يعد أحد المرتكزات الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويُعد قطاع التأمين أحد أهم الأدوات التي تسهم في تحقيق هذه الأهداف من خلال حماية الأفراد والمؤسسات من الآثار المالية للمخاطر. ولذلك، فإن نجاح صناعة التأمين يتطلب أن تُبنى منتجاتها وآليات تسعيرها وتمويلها على أسس فنية واكتوارية سليمة، بما يحقق التوازن بين مصلحة المؤمن له، واستدامة شركات التأمين، وتعزيز الثقة في السوق.
وفي هذا الإطار، فإن التوسع في تقسيط أقساط التأمين يعد خطوة إيجابية تسهم في تسهيل حصول الأفراد والمؤسسات على الحماية التأمينية، ودعم ثقافة الادخار والتوفير، وتعزيز الشمول المالي. إلا أن هذه الممارسة يجب أن تُنظم وفق أسس علمية وفنية تستند إلى الدراسات الاكتوارية المعتمدة، وليس وفق اعتبارات تجارية أو تنافسية بحتة.
فالتقسيط يمثل تكلفة تمويل ومخاطر إضافية، ومن ثم يجب أن ينعكس ذلك بشفافية في عملية التسعير، بما يحقق العدالة بين جميع حملة الوثائق، ويحافظ على الملاءة المالية لشركات التأمين.
وأوصي باعتماد سعرين واضحين لكل منتج تأميني:
- السعر النقدي: عند سداد كامل قسط التأمين دفعة واحدة.
- السعر المؤجل (بالتقسيط): ويشمل تكلفة التمويل والمخاطر الإضافية وفق دراسة اكتوارية معتمدة، مع الإفصاح الكامل عنها للمؤمن له.
كما أوصي بأن تتضمن وثائق التأمين وشروط التقسيط نصوصًا واضحة تنظم حقوق والتزامات طرفي العقد عند وقوع الخطر المؤمن عليه (Insured Peril)، وما يترتب عليه من مطالبة بالتعويض. ففي هذه الحالة، يحق لشركة التأمين -وفقًا لشروط وثيقة التأمين واتفاق الطرفين- أن تطالب بسداد الرصيد المتبقي من أقساط التأمين قبل صرف التعويض، أو أن تقوم بخصم الأقساط المستحقة من مبلغ التعويض المستحق للمؤمن له أو للمستفيد، بما يحفظ الحقوق التعاقدية للطرفين، ويحقق العدالة في تنفيذ العقد.
ويستند ذلك إلى أن عقد التأمين هو عقد يقوم على مبدأ حسن النية المطلقة (Utmost Good Faith)، الأمر الذي يقتضي التزام كل من شركة التأمين والمؤمن له بالوفاء بالتزاماتهما التعاقدية. فكما تلتزم شركة التأمين بسداد التعويض عند تحقق الخطر المؤمن عليه وفقًا لشروط الوثيقة، يلتزم المؤمن له بسداد أقساط التأمين المستحقة وفقًا للاتفاق المبرم بين الطرفين.
كما أؤكد أن صناعة التأمين تختلف جوهريًا عن العمل المصرفي. فالتأمين يقوم على إدارة ونقل المخاطر وتسعيرها وفق أسس اكتوارية وإحصائية، بينما يقوم العمل المصرفي على التمويل والائتمان وإدارة السيولة. ولذلك، فإن تطبيق نماذج التمويل المصرفي على منتجات التأمين دون مراعاة الطبيعة الفنية لهذه الصناعة قد يؤدي إلى تشوهات في التسعير، ويؤثر في الملاءة المالية للشركات، ويخل بمبدأ العدالة بين حملة الوثائق.
ويبرز هذا الأمر بصورة أوضح في نظام التأمين المصرفي (Bancassurance)، حيث تقوم المصارف بتوزيع المنتجات التأمينية عبر قنواتها المصرفية. ورغم ما يوفره هذا النظام من سهولة الوصول إلى العملاء ودعم الشمول التأميني، إلا أنه لا ينبغي أن تتحول آليات تقسيط أقساط التأمين إلى ممارسة مصرفية بحتة. فتبقى وثيقة التأمين منتجًا تأمينيًا يخضع في تسعيره وإدارة مخاطره للمبادئ الاكتوارية والفنية، وليس لاعتبارات التمويل المصرفي وحدها.
كما أوصي بأن تضع الجهة الرقابية إطارًا تنظيميًا واضحًا لتقسيط أقساط التأمين، يتضمن ضوابط التسعير الفني، ومتطلبات الإفصاح والشفافية، وآليات حماية المستهلك، مع منح الاكتواري المعتمد الدور الرئيس في اعتماد تكلفة التقسيط، بما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية.
إن الهدف من تقسيط أقساط التأمين هو توسيع نطاق الحماية التأمينية، وتعزيز ثقافة الادخار والتوفير، ودعم الشمول المالي، وليس خلق منافسة سعرية غير فنية أو تحويل شركات التأمين إلى جهات تمويل. كما أن وجود سعر نقدي وسعر مؤجل، مبنيين على أسس اكتوارية واضحة، يحقق العدالة والشفافية، ويعزز ثقة المتعاملين في سوق التأمين.
ومن منظور اقتصادي، فإن وجود قطاع تأمين قوي ومستدام يسهم في تعزيز الاستقرار المالي، وحماية الأصول والاستثمارات، وتشجيع الادخار طويل الأجل، وتوفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، وهو ما ينعكس إيجابًا على النمو الاقتصادي وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".
وأخيرًا، أوصي باعتماد التسعير الفني (Technical Pricing)، والتمييز الواضح بين السعر النقدي والسعر المؤجل، وتطبيق مبادئ الحوكمة والشفافية والإفصاح، وتعزيز دور الاكتواري المعتمد في تسعير المنتجات التأمينية، بما يحقق استدامة قطاع التأمين، ويرفع مستوى الثقة فيه، ويحافظ على حقوق حملة الوثائق، ويحقق المنافسة العادلة، ويؤكد أن التأمين ليس مجرد وسيلة لتعويض الخسائر، بل هو أحد أهم أدوات الحماية المالية، والادخار، والتوفير، والتنمية الاقتصادية.
**خبير التأمين وباحث اقتصادي متخصص
