النخلة والصاروخ

 

 

محمد بن رامس الرواس

اليوم تجد دول الخليج العربي نفسها في نقطة ارتكاز استراتيجية فريدة بعد أحداث صاخبة ومستمرة، بلا شك، وإن خفت حدتها، فهي شهدت وستشهد تحديات اقتصادية ورحلة إعادة صياغة للذات في ظل تحديات دولية معقدة، وهذا قد أثار في ذهني التساؤل الذي طرحه الكاتب "توماس فريدمان" في كتابه "اللكزس وشجرة الزيتون": كيف نوفق بينهما؟

ومجاراةً لما كتبه فريدمان، سأقوم بإسقاط رؤيتي بأسلوب يتماهى مع ما طرحه فريدمان، لكن بأسلوب مغاير، وأقول: إن النخلة ليست مجرد تعبير عن إرثٍ فقط، بل يمكننا اعتبارها الجهاز المناعي للمجتمع الخليجي، حيث إن تمسكنا بهويتنا، وديننا، وتقاليدنا، وانتمائنا للأرض، هو الذي يمنحنا الأمان النفسي والقدرة على مواجهة التدفق المهول من الثقافة الغربية التي تجتاح مجتمعاتنا.

وعلى دول الخليج أن تدرك أن التنمية الحقيقية ليست مجرد ناطحات سحاب ومدن فارهة، بل هي مجتمعات متماسكة تعتز بجذورها، وتستمد قوتها من قيمها العربية والإسلامية الأصيلة التي توفر الاستقرار الروحي والنفسي في عصر القلق الوجودي الذي فقد فيه الاستقرار الاجتماعي، وإن الحفاظ على خصوصيتنا الثقافية العربية والإسلامية ليس انغلاقًا، بل هو ثبات يمنحنا الثقة للانفتاح على الآخر دون ذوبان أو تبعية، وفي المقابل لا يمكن لعالم اليوم أن يمنح مكانًا لمن يختار العزلة، لذلك فإن الصاروخ هنا يمثل آليات العصر والتكنولوجيا الفائقة، والتنويع الاقتصادي، والاستثمار في الابتكار، والسرعة في اتخاذ القرار.

وعليه، أصبح التكامل الإقليمي الخليجي، ككتلة اقتصادية واحدة قادرة على التأثير في الأسواق العالمية، ضرورة ملحة لتحجز لنفسها مكانة مع التكتلات العالمية القادمة.

إن التحديث لا يعني استنساخ نماذج الآخرين، بل يعني امتلاك أدوات العصر لتصدير قيمنا ومبادئنا ومنجزاتنا إلى العالم، ولا شك أن المعادلة الخليجية الصعبة هنا هي وجود رسالة واحدة نتطلع إليها من قياداتنا الحكيمة، مفادها: التوازن الخلاق بين النخلة والصاروخ، مع التحول الذكي في تبني التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فهو ليس رفاهية، بل أصبح صمام أمان لضمان استمرارية الاستقرار الفكري للأجيال القادمة، شرط أن تظل هذه التكنولوجيا مسخرة لخدمة الإنسان الخليجي وقيمه وعاداته وتقاليده ودينه وعقيدته، مع الانفتاح المسؤول وبناء جسور الاقتصاد مع العالم عبر دبلوماسية التوافق، مع الحفاظ على "النخلة" التي تمنح مجتمعاتنا تفردها وتميزها.

إن النموذج الخليجي حينها سيقدم درسًا عالميًا في الحداثة المتجذرة، وسنرى أكبر المشاريع التكنولوجية والمدن المستقبلية، في ظل قيم التكافل الاجتماعي، والأسرة، والارتباط بالأرض، وهي الركيزة الأساسية للسياسات العامة.

ختامًا.. إن التحدي أمام دول الخليج ليس اختيار النخلة أو الصاروخ، بل في كيفية جعل النخلة تنمو وتزدهر في ظل وجود الصاروخ. نحن لا نبحث عن حداثة منقوصة، ولا عن تقاليد منغلقة، بل نبحث عن طريقٍ ثالث يجمع بين بريق الحداثة وعمق الأصالة.

إن دول الخليج، بفضل قياداتها الطموحة، قادرة على أن تثبت للعالم أن التقدم والحداثة ليسا بالضرورة عملية اقتلاع للجذور والانسلاخ من القيم، بل عملية إثمار مباركة، لأجل أن تظل الجذور راسخة في أعماق الهوية الوطنية، محققةً التوازن الذي يضمن للمجتمعات ريادتها وبقاءها.

الأكثر قراءة

z