د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي**
Ahmed120.law@gmail.com
المقال الأول: الوساطة والتسوية الودية: نحو ثقافة قانونية جديدة
"لا تُقاس قوة العدالة بعدد الأحكام الصادرة، بل بقدرتها على إنهاء النزاعات، وحفظ الحقوق، واستقرار العلاقات".
شهدت الأنظمة القضائية المقارنة خلال الفترة الأخيرة تحولًا في أساليب إدارة النزاعات؛ إذ تطور القضاء البديل بصورة كبيرة ومتسارعة، فلم يعد القضاء العادي الخيار الوحيد في حسم الخلافات وفض النزاعات. وتُعد الوساطة والتسوية الودية من أبرز الأنظمة القضائية البديلة التي ظهرت في الآونة الأخيرة، بوصفها من أكثر الوسائل فاعلية في تحقيق العدالة التوافقية؛ إذ تقوم هذه الوسيلة على مبادئ الحوار والتفاهم بين الأطراف المتخاصمة، وتعمل على تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والمحافظة على الطبيعة العلائقية بين أطراف النزاع في آن واحد.
ولقد أبانت العديد من النزاعات أنها في غير حاجة إلى حكم قضائي، بقدر ما هي بحاجة إلى إدارة مهنية للحوار البنّاء الذي يسهم في مساعدة الأطراف على اكتشاف مصالحهم المشتركة، ومن ثم التفكير في حلول توافقية ترضيهم، وبذلك أصبحت الوساطة الركيزة الأساسية في منظومة العدالة الحديثة.
وتأسيسًا على ذلك، فإنه يجدر الإجابة عن العديد من التساؤلات، أبرزها:
ماهية الوساطة؟
يُقصد بالوساطة تلك الوسيلة الودية لتسوية النزاعات، التي تتم عبر تدخل شخص يُدعى الوسيط، الذي يتصف بالحياد والاستقلال، لمساعدة أطراف النزاع على التوصل إلى اتفاق يحقق مصالحهم المشتركة، دون أن يفرض عليهم أي قرار أو حكم. وتقوم الوساطة على مبدأ جوهري يتمثل في كون الحل الذي يصنعه الأطراف المتخاصمون بأنفسهم غالبًا ما يكون أكثر استقرارًا وقبولًا من الحل الذي يُفرض عليهم.
ما مكانة الوساطة في المنظومة القضائية؟
بالنظر إلى ما تمتاز به الوساطة من مبادئ وقيم، فإنها لم تعد مجرد خيار بديل عن القضاء، بل هي ضرورة يفرضها الواقع العملي، وتنشدها طبيعة التعاملات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة، وذلك وفقًا للاعتبارات الآتية:
- سرعة الفصل في النزاعات مقارنة بالجهات القضائية التقليدية.
- تخفيض التكاليف المالية المترتبة على النزاع محل الخصومة.
- المحافظة على سرية المعلومات الخاصة بأطراف النزاع.
- تخفيف العبء على الجهات القضائية، وتعزيز كفاءة النظام العدلي في الدولة.
- الوصول إلى حلول مرنة تراعي المصالح المشتركة للأطراف.
مدى وجود الوساطة في ثقافة المجتمع المحلي؟
تُعد التشريعات المنظمة للوساطة ليست الغاية الكبرى في حلحلة النزاعات، بل هي أداة منظمة ومساندة لمنظومة العدالة في المجتمع، ومن ثم فإن هذه التشريعات، إذا لم تجد الإرادة المجتمعية الواعية في التوصل إلى حلول ودية عوضًا عن الأحكام القضائية، فإنها تكون نصوصًا فارغة من المعنى الحقيقي للآثار التي بُنيت عليها. فثقافة المجتمع هي الغاية الأسمى في تعضيد التشريعات التي ترمي إلى إيجاد الحلول التوافقية في الإشكاليات التي يعاني منها المجتمع في كافة مجالاته.
وغني عن البيان أنه كلما ازداد الوعي المجتمعي، لدى الأفراد ومؤسسات القطاعين العام والخاص، بمزايا التسوية الودية، أدى ذلك إلى انخفاض النزاعات في بُعدَيها المتوسط والطويل، وفي الوقت ذاته عزز من ثقة المتخاصمين، وأدى إلى استقرار علاقاتهم.
ماهية الطبيعة العلائقية بين الوساطة والتنمية المستدامة؟
بطبيعة الحال، لا تقتصر النتائج الإيجابية للوساطة على حل النزاعات، بل تمتد آثارها إلى دعم التنمية المستدامة، وذلك من خلال عدة أوجه، أبرزها:
- توفير استقرار البنية القانونية.
- تشجيع الاستثمار الوطني، وجذب الاستثمار الأجنبي.
- تقليل الخسائر المالية على الاقتصاد الوطني.
- تعزيز الثقة في السلطة القضائية.
ولتقريب النظر إلى القارئ عن دور الوساطة بوصفها قضاءً بديلًا، نستعرض المثالين الآتيين:
نزاع أسري حول الميراث:
نشب خلاف بين ورثة حول تقسيم تركة لمبنى عقاري؛ حيث تمسك البعض ببيع العقار، في حين تمسك البعض الآخر بالاحتفاظ به لاستثماره بوصفه عائدًا ثابتًا.
تمت إحالة الموضوع إلى وسيط أسري متخصص، وبعد عقد عدة جلسات منفصلة ومشتركة بين الورثة، فقد ساعدهم على فهم الأبعاد المالية والعاطفية لكل خيار، ومن ثم تم التوصل إلى حل وسط يرضي كافة الورثة، وذلك ببيع جزء من العقار، والاحتفاظ بجزء آخر واستثماره، وتوزيع العائد عليهم وفق القسمة الشرعية. وبذلك أسهم الوسيط في الحفاظ على الروابط الأسرية التي كانت على شفا الانهيار.
نزاع بين شريكين في عقد شراكة تجارية:
قام شريكان بالاشتراك في مشروع تجاري، وبعد مضي فترة زمنية، شعر أحدهما بعدم الشفافية في إدارة الأرباح، في حين تمسك الآخر بكون الإدارة تتم وفق عقد الشراكة.
وبعرض الموضوع على وسيط تجاري متخصص، قام بمراجعة الحسابات والاتفاقية التعاقدية، تم التوصل إلى الآتي: إعادة هيكلة آلية توزيع الأرباح، وتعيين مدقق حسابات مستقل عن الشركة، وتعديل بعض بنود عقد الشراكة.
وبذلك استمرت العلاقة التعاقدية بين الشريكين، عوضًا عن تصفية الشركة أو اللجوء إلى الجهات القضائية.
وصفوة القول، فإن البيئة التشريعية العمانية أضحت بحاجة إلى تشريع ينظم دور الوساطة والتسوية الودية، وذلك مع تعضيد هذا التشريع بتفعيل التوعية المجتمعية بدور الوساطة والتسوية الودية بوصفها بديلًا للقضاء العدلي في حل النزاعات، باعتباره استثمارًا في المستقبل؛ لبناء مجتمع أكثر تماسكًا، واقتصاد أكثر استقرارًا، ونظام عدلي أكثر كفاءة وفاعلية.
وعليه، نوصي الجهات المختصة بدراسة التوصيات الآتية:
- قيام المشرع العماني باستصدار قانون الوساطة والتسوية الودية.
- إنشاء المركز العماني للوساطة والتسوية الودية.
- قيام مجلس عُمان بتقديم الدراسات اللازمة في مجال القضاء البديل.
- قيام المجلس الأعلى للقضاء بدور أكبر في مجال التوعية بوسائل القضاء البديل.
- قيام وزارة الإعلام باستضافة المتخصصين من الأكاديميين وذوي الخبرة في حلقات وبرامج متخصصة بالوساطة والتسوية الودية.
- قيام مراكز البحوث والدراسات الأكاديمية بكليات الحقوق في الجامعات والكليات العمانية بإيلاء الوساطة والتسوية الودية الاهتمام، من حيث توجيه الطلبة إلى تقديم مشروعات بحثية متخصصة في هذا المجال.
ولئن كانت الوساطة تمثل إحدى أهم وسائل تسوية النزاعات بالطرق الودية، فإنها ليست الوسيلة الوحيدة؛ إذ توجد وسائل أخرى قد تتقاطع معها في الخصائص القانونية، والحدود، ومجالات التطبيق، مما يتطلب التعرف على تلك الفروقات، وهو ما سوف نتناوله في المقال القادم بعنوان: "الوساطة والتوفيق والمصالحة والتحكيم: أوجه الاتفاق والاختلاف".
**الخبير القانوني في الوساطة والتسوية الودية
