حسين اللواتي**
على امتداد سنوات من التدريب في مجالات القيادة والإدارة، ولقاء مئات الشباب والكفاءات العُمانية في القطاعين الحكومي والخاص، كان هناك سؤال أطرحه دائمًا في كل ورشة تدريبية، وكل لقاء مع المشاركين..
كم واحدًا منكم قرأ أو اطلع على محاور رؤية "عُمان 2040"؟
وفي كثير من الأحيان، لم يكن عدد من رفعوا أيديهم يتجاوز مجموعة صغيرة من الحضور. وهنا لا أتحدث عن قراءة عابرة، بل عن قراءة الباحث عن دوره في مستقبل وطنه.
وكم يحز في النفس أن تجد من يحمل أحلامًا كبيرة، لكنه لا يعرف خريطة الطريق الوطنية التي رسمت ملامح المستقبل، ولا محاورها التي تبدأ بالإنسان، وتمتد إلى المجتمع، والاقتصاد، والبيئة، والدولة. وأن تبقى هذه الرؤية حاضرة في بعض المؤسسات والمجموعات فقط على أوراق المراسلات والشعارات، وفي المقابل تغيب عن كثير من الحوارات، وعن وعي بعض الأجيال التي صيغت الرؤية من أجل مستقبلها.
ماذا لو بدأنا من هنا؟
ماذا لو أصبحت رؤية "عُمان 2040" حديثًا يتردد في بيوتنا، ومرجعًا يربط الشاب بين طموحه الشخصي وطموح وطنه؟
لقد أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- أن الإنسان هو الثروة الحقيقية لهذا الوطن، وأن الشباب هم الحاضر والمستقبل، وأن بناء عُمان مسؤولية وطنية مشتركة ينهض بها الجميع. ومن هنا جاءت رؤية "عُمان 2040"، لا كمشروع حكومة، بل كمشروع وطن، لكل مواطن فيه دور، ولكل جيل فيه مسؤولية.
نعم.. قد تتغير موازين العالم، وتتبدل الظروف الاقتصادية، وتتسارع التحولات التقنية، وتتغير المعادلات الجيوسياسية، لكن الدول التي تمتلك رؤية واضحة، وبوصلة ثابتة، وشعبًا يؤمن بها، هي الأقدر على التكيف وصناعة المستقبل. ولعل تجربة دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وفنلندا تؤكد أن الرؤى الوطنية لا تنجح لأنها كُتبت بإتقان، بل لأنها تحولت إلى ثقافة مجتمعية يعيشها المواطن، وتتبناها المدرسة، والإعلام، والقطاع الخاص، قبل أن تتبناها المؤسسات الحكومية.
وليس بعيدًا عن ذلك، يشير منتدى الاقتصاد العالمي باستمرار إلى أن مستقبل الدول في العقود القادمة يعتمد على الشراكة بين الحكومة، والقطاع الخاص، والمجتمع، والعمل وفق رؤية مشتركة توحد الجهود وتوجه الطاقات نحو هدف واحد.
ولا أنسى كلمة أستاذ من أساتذتي، الدكتور حمدي خشان -رحمه الله- حين قال: "لقد استلمنا هذا العالم كدين من الأجيال القادمة، وعلينا أن نعيده إليهم بأفضل مما استلمناه".
وأي وفاء لهذا الدين أعظم من أن نسلّم أبناءنا وطنًا يعرف إلى أين يتجه، ويؤمن أبناؤه برؤيته، ويشعر كل فرد فيه أن له دورًا حقيقيًا في تحقيقها؟
إن بناء الوعي الوطني لا يبدأ بالقوانين، بل يبدأ بالمعرفة. فالمعرفة تولد القناعة، والقناعة تتحول إلى سلوك، والسلوك هو الذي يصنع النتائج.
ورؤية "عُمان 2040" ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مجتمع بأكمله. وكلما اتسعت دائرة الوعي بها، اتسعت دائرة المشاركة في تحقيقها، وأصبح لكل فرد مكانه في قصة نجاح الوطن.
وربما لا نحتاج إلى مبادرات معقدة أو ميزانيات كبيرة. ربما نحتاج فقط إلى فكرة بسيطة.. أن تصبح رؤية "عُمان 2040" حديث كل بيت. أن تخصص الأسرة دقائق للحوار حول أحد محاورها، وأن تستحضرها المدارس والجامعات في نقاشاتها، وأن تبدأ بها بعض اجتماعاتنا وورش عملنا، لا كشعار على الشاشة، بل كمرجع يوجه التفكير والقرار.
ماذا لو؟ بدأ كل شاب وكل شابة يربطان تخصصهما، وطموحهما، ومستقبلهما، بمحاور الرؤية، فيدركان أن النجاح الشخصي لا ينفصل عن نجاح الوطن؟
ربما لا يحتاج الوطن منا أكثر من خطوة أولى..
أن نقرأ ونطّلع.
أن نفهم.
أن نتحاور.
ثم نعمل.
وأترك لكل واحد منا هذه الرسائل..
أيها الأب.. ماذا ستورث أبناءك إلى جانب القيم؟ وهل ستورثهم معرفة برؤية وطنهم؟
وأيتها الأم.. كيف ستغرسين في أبنائك حب عُمان إذا لم يعرفوا اتجاه بوصلة الوطن؟
أيها الشاب.. هل ربطت أحلامك الشخصية برؤية وطنك، أم ما زلت تبحث عن مستقبلك بعيدًا عن خريطة مستقبله؟
وأيتها الشابة.. ماذا سيكون أثرك في تحقيق رؤية "عُمان 2040"، وأي بصمة ستتركينها للأجيال القادمة؟
وأيها القائد.. هل جعلت الرؤية ثقافةً يعيشها فريقك، أم اكتفيت بأن يكون شعارها على شاشة العرض وفي زوايا المراسلات؟
وأيها المعلم، والأكاديمي، والموظف، ورائد الأعمال.. ماذا قدمت لتكون شريكًا حقيقيًا في تحقيق رؤية وطنك؟
وأختم بدعوة أرجو أن تتحول إلى "التزام":
أن يلتزم كل واحد منا بقراءة رؤية "عُمان 2040"، وأن يتحدث عنها مع أسرته أو زملائه أو طلابه، وأن يربط دوره اليومي بمحاورها، حتى تصبح الرؤية ثقافةً نعيشها، لا وثيقةً نحتفي بها.
فإذا أصبحت رؤية "عُمان 2040" حديث كل بيت... فليكن بيتك أول البيوت، وليكن التزامك أول الخطوات.
** عضو مجلس الشورى
