الاتّفاق الأمريكي الإيراني.. تهدئة مؤقّتة أم إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية؟!

 

 

 

د. علي موسى الكناني **

في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، تتّجه الأنظار إلى التطورات المتسارعة في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، ولا سيما في ظل ما يتردّد عن اتفاق مزمع بين الجانبين قد يتم الإعلان عنه خلال الفترة المقبلة. ورغم أن التفاصيل النهائية لأي تفاهم محتمل لا تزال خاضعة للتفاوض والتجاذبات السياسية، فإن مجرد طرح فكرة الاتفاق في هذا التوقيت يحمل دلالات استراتيجية مهمة، تعكس إدراكًا متبادلًا لدى الأطراف المعنية بأن استمرار التصعيد المفتوح قد يقود إلى تداعيات تتجاوز حدود المنطقة لتطال الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار الدولي.

وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية؛ لأنها تأتي في مرحلة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والاعتبارات السياسية الداخلية والخارجية، فالمشهد الحالي لا يقتصر على خلاف ثنائي بين واشنطن وطهران، بل يمثّل جزءًا من صراع أوسع يتعلق بمستقبل التوازنات الإقليمية وشكل النفوذ الدولي في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الصراع القائم: هل تتجه الأطراف نحو تسوية مؤقتة تضمن إدارة الخلافات، وتقليل احتمالات المواجهة؟ أم أن الاتفاق المحتمل سيكون مجرد محطة ضمن صراع طويل الأمد تحكمه اعتبارات القوة والمصالح المتضاربة؟ والأهم من ذلك، مَن الرابح ومَن الخاسر في هذه المعادلة المعقّدة؟

على الصعيد العسكري، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا نوعيًا واضحًا من حيث التكنولوجيا العسكرية، والقدرات الاستخبارية، ومنظومات القيادة والسيطرة، فضلًا عن شبكة واسعة من القواعد والتحالفات الإقليمية. ويمنحها ذلك القدرة على توجيه ضربات مؤثرة ضد أهداف استراتيجية إذا ما اتُّخذ قرار المواجهة. كما أن إسرائيل تنظر إلى أي ضغوط عسكرية أو سياسية على إيران باعتبارها جزءًا من استراتيجية تهدف إلى الحد من قدراتها وتقليص نفوذها الإقليمي.

في المقابل، لا تستند الاستراتيجية الإيرانية إلى مبدأ المواجهة التقليدية المباشرة بقدر اعتمادها على أدوات الردع غير المتكافئ. فمن خلال شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات الإقليمية، وقدراتها الصاروخية، وامتلاكها أوراق ضغط متعددة في المنطقة، تستطيع طهران رفع كلفة أي مواجهة محتملة إلى مستويات تجعل الحسم العسكري السريع أمرًا بالغ الصعوبة. لذلك فإن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق نصر سياسي أو استراتيجي حاسم.

أما سياسيًا، فإن الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على موقعها كقوة مؤثرة في المنطقة، ومنع ظهور ترتيبات إقليمية قد تقلّص من نفوذها أو تمنح خصومها مساحة أوسع للحركة. كما أن أي اتفاق محتمل مع إيران قد يمنح واشنطن فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في ظل انشغالها بملفات دولية أخرى تتعلق بالتنافس مع قوى كبرى في النظام الدولي.

في المقابل، تنظر إيران إلى أي اتفاق محتمل من زاوية مختلفة، إذ يمكن أن يوفّر لها متنفسًا اقتصاديًا وسياسيًا بعد سنوات من العقوبات والضغوط، فضلًا عن اعتباره اعترافًا بدورها وتأثيرها في المعادلات الإقليمية. كما أن نجاح طهران في الوصول إلى تفاهم مع واشنطن قد يعزز موقعها التفاوضي في ملفات أخرى مرتبطة بالأمن الإقليمي والعلاقات الدولية.

غير أن الاتفاق المزمع، إذا ما تم التوصل إليه، لا ينبغي النظر إليه باعتباره نهاية للصراع بين الطرفين. فالخلافات الجوهرية المتعلقة بالنفوذ الإقليمي والبرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية وترتيبات الأمن الإقليمي لا يمكن معالجتها بشكل نهائي من خلال اتفاق واحد. لذلك من المرجّح أن يمثل أي تفاهم جديد إطارًا لإدارة التنافس وليس إنهاءه، وأن يكون أقرب إلى تنظيم الخلافات وتقليل مخاطر الانفجار منها إلى تحقيق مصالحة استراتيجية شاملة.

اقتصاديًا، يعد هذا البعد من أكثر الجوانب تأثيرًا في حسابات الأطراف المختلفة. فاستمرار التوتر في منطقة الخليج ينعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، خصوصًا في ظل الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. وأي اضطراب في هذه المنطقة يؤدي عادة إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للنفط، كما ينعكس على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

ومن هذا المنطلق، فإن نجاح الاتفاق المحتمل قد يحقّق قدرًا من الاستقرار للأسواق، ويخفّف المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة. إلا أن ذلك لا يعني انتهاء المخاطر بشكل كامل؛ لأن البيئة الإقليمية ما زالت تتّسم بدرجة عالية من التعقيد والتداخل بين الأزمات المختلفة.

وعلى مستوى النظام الدولي، يمكن النظر إلى الاتفاق المزمع باعتباره جزءًا من عملية أوسع لإعادة صياغة التوازنات الدولية في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في مراكز القوة والنفوذ. فالقوى الكبرى تراقب تطورات العلاقة الأمريكية الإيرانية باعتبارها عاملًا مؤثرًا في حسابات الأمن الدولي والطاقة والتجارة العالمية، كما أن أي تهدئة بين الطرفين قد تسمح لواشنطن بإعادة توجيه جزء من اهتمامها نحو ملفات استراتيجية أخرى، في حين قد تمنح طهران مساحة أوسع لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع شركائها الدوليين.

وفي خضم هذه المعادلات المعقدة، تبرز أطراف قد تستفيد بصورة غير مباشرة من استمرار حالة التوتر أو حتى من التفاهمات المحتملة، مثل شركات الطاقة والصناعات العسكرية وبعض القوى الدولية والإقليمية التي تسعى إلى تعزيز مواقعها ضمن المشهد الجديد. وفي المقابل، يبقى الاستقرار الإقليمي الأكثر تأثرًا بنتائج هذا الصراع، سواء اتجه نحو التصعيد أو نحو التهدئة.

خلاصة القول، إن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن اختزاله في معادلة رابح وخاسر بالمعنى التقليدي. فالمكاسب العسكرية المحتملة قد تتحول إلى أعباء سياسية واقتصادية، كما أن الاتفاقات الدبلوماسية لا تعني بالضرورة إنهاء أسباب التنافس والصراع. وبين احتمالات المواجهة وفرص التفاهم، يبدو أن الأطراف المختلفة باتت أكثر إدراكًا لحجم الكلفة التي يمكن أن يفرضها الصدام المفتوح. لذلك فإن الاتفاق الأمريكي-الإيراني المزمع، إذا ما تم التوصل إليه، قد لا يمثّل نهاية للأزمة بقدر ما يشكل محاولة لإدارتها ضمن حدود يمكن التحكّم بها، في مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى الاستقرار الإقليمي والتوازن الدولي أكثر من أي وقت مضى.

** باحث استراتيجي مختصّ بالأمن السيبراني

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z