حين يجفُّ الرافدان.. كيف يواجه العراق خطر الإفلاس المائي؟

 

 

د. علي موسى الكناني

لم تعد المياه في القرن الحادي والعشرين مجرّد مورد طبيعي تعتمد عليه الحياة، بل أصبحت عنصرًا أساسيًّا في معادلات القوة والاستقرار والتنمية. فمع تسارع التغيرات المناخية، وتزايد الطلب العالمي على المياه، واتّساع الفجوة بين الموارد المتاحة والاستهلاك، بات الأمن المائي يمثّل أحد أهم مرتكزات الأمن القومي للدول، وأحد المؤشرات الرئيسة على قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة. وفي هذا السياق، يواجه العراق تحدّيًا متصاعدًا يتمثل في خطر «الإفلاس المائي»، وهو مصطلح يعبّر عن وصول الموارد المائية إلى مستويات قد تعجز معها الدولة عن تلبية احتياجاتها الأساسية، بما ينعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

ويكتسب هذا التحدي خصوصية استثنائية بالنسبة إلى العراق، الذي ارتبط تاريخه وهويته الحضارية بنهري دجلة والفرات، حتى عُرف عبر التاريخ ببلاد الرافدين. إلا أن المشهد المائي اليوم يختلف بصورة كبيرة عما كان عليه في العقود الماضية، إذ تتداخل مجموعة من العوامل الطبيعية والإقليمية والداخلية لتفرض واقعًا جديدًا يتطلب مراجعة شاملة للسياسات المائية، والانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء استراتيجية وطنية طويلة الأمد.

فعلى المستوى الخارجي، أدى تراجع معدلات الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وتكرار مواسم الجفاف، إلى انخفاض الموارد المائية المتجددة، في حين أسهمت مشاريع السدود والخزن المائي في دول المنبع في تقليص الإطلاقات الواصلة إلى العراق، الأمر الذي زاد من الضغوط على المخزون المائي، وأعاد ملف المياه إلى واجهة العلاقات الإقليمية بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية.

أما داخليًّا، فإن الأزمة لم تكن نتاج العوامل الطبيعية وحدها، بل أسهمت أساليب الإدارة التقليدية في مضاعفة آثارها. فما تزال نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية تعتمد على طرق ري ذات كفاءة منخفضة، كما تعاني شبكات نقل المياه من نسب عالية من الفاقد، إضافة إلى محدودية الاستثمارات في مشاريع المعالجة وإعادة الاستخدام، وضعف الاستفادة من التقنيات الحديثة في مراقبة الموارد المائية وإدارتها. ومع استمرار النمو السكاني والتوسع العمراني، تتزايد الضغوط على الموارد المتاحة بوتيرة أسرع من قدرة المنظومة الحالية على الاستجابة.

وتنعكس هذه المعطيات بصورة مباشرة على مختلف القطاعات الحيوية، إذ يمثل تراجع الموارد المائية تحدّيًا للأمن الغذائي نتيجة انخفاض الإنتاج الزراعي وتراجع المساحات المزروعة، كما يؤدي إلى زيادة التصحر والعواصف الترابية، ويؤثر في استقرار المجتمعات الريفية، ويرفع معدلات الهجرة الداخلية نحو المدن، فضلًا عن انعكاساته الاقتصادية التي تشمل ارتفاع كلفة الإنتاج، وتراجع فرص الاستثمار، وزيادة الاعتماد على الاستيراد لتأمين الاحتياجات الغذائية.

ومن هذا المنطلق، لم يعد الأمن المائي ملفًّا فنيًّا يقتصر على إدارة السدود والقنوات، بل أصبح قضية سيادية ترتبط بالأمن القومي. فالمياه اليوم تؤثر في قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار، وتعزيز أمنها الغذائي، واستدامة اقتصادها، وحماية بيئتها، الأمر الذي يجعل إدارتها جزءًا من منظومة التخطيط الاستراتيجي للدولة.

ولذلك، فإن مواجهة خطر الإفلاس المائي تتطلب رؤية وطنية شاملة تنطلق من مبدأ أن المياه مورد استراتيجي يجب إدارته وفق أسس علمية واقتصادية، وليس باعتباره موردًا متاحًا بلا حدود. ويبدأ ذلك بتطوير الدبلوماسية المائية مع دول الجوار، وتعزيز الحوار للوصول إلى تفاهمات تحقق الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية المشتركة، بالتوازي مع إعادة تأهيل البنية التحتية، وتقليل نسب الهدر، وتوسيع استخدام أنظمة الري الحديثة، وتطوير التشريعات المنظمة لإدارة المياه.

غير أن التحول الأكثر أهمية يتمثل في الانتقال من مفهوم إدارة المياه إلى مفهوم استثمار المياه. فالمياه لم تعد موردًا يُستهلك فحسب، وإنما أصبحت أصلًا اقتصاديًّا يمكن أن يسهم في دعم التنمية إذا أُحسن استغلاله. ويعني استثمار المياه تعظيم الاستفادة من كل قطرة عبر إعادة الاستخدام، ورفع كفاءة الاستهلاك، وتوظيف التكنولوجيا، وتحويل قطاع المياه إلى قطاع منتج يحقق قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية.

وفي العراق، يمكن لهذا التوجه أن يفتح آفاقًا واسعة من خلال إنشاء محطات حديثة لمعالجة المياه وإعادة استخدامها في الزراعة والصناعة، والتوسع في مشاريع حصاد مياه الأمطار والسيول، واستثمار المياه الجوفية بصورة مستدامة، وتطوير مشاريع التحلية في المحافظات الجنوبية، فضلًا عن تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الصناعات المرتبطة بالمياه وتقنيات الري الحديثة. كما يمكن أن تسهم هذه المشاريع في خلق فرص عمل جديدة، وتعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الضغط على الموارد المائية التقليدية.

ويواكب ذلك توظيف التكنولوجيا الحديثة في الإدارة الذكية للمياه، عبر استخدام الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستشعار عن بُعد، ونظم المعلومات الجغرافية، والعدادات الذكية، لبناء قاعدة بيانات دقيقة تساعد على التنبؤ بالأزمات، وتحسين إدارة الموارد، وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة التوزيع، بما ينسجم مع التحولات الرقمية التي تشهدها الإدارة الحديثة للموارد الطبيعية.

ولا يمكن لأي استراتيجية مائية أن تحقق أهدافها من دون ترسيخ ثقافة مجتمعية جديدة تقوم على ترشيد الاستهلاك، وتعزيز الوعي البيئي، وإشراك المؤسسات التعليمية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني في نشر ثقافة المحافظة على المياه، لأن الأمن المائي مسؤولية جماعية تتجاوز حدود المؤسسات الحكومية.

إن الحديث عن الإفلاس المائي في العراق لا ينبغي أن يقود إلى التشاؤم، بقدر ما ينبغي أن يدفع نحو إعادة صياغة السياسات المائية برؤية أكثر شمولًا. فالدول التي نجحت في تجاوز محدودية مواردها لم تعتمد على وفرة المياه، بل على حسن إدارتها واستثمارها. والعراق، بما يمتلكه من خبرات وإمكانات وموقع جغرافي، قادر على تحويل هذا التحدي إلى فرصة إذا ما اعتمد استراتيجية متكاملة تجمع بين الدبلوماسية المائية، والإدارة العلمية، والاستثمار الذكي، والتكنولوجيا الحديثة.

وفي عالم أصبحت فيه المياه إحدى ركائز القوة الوطنية، فإن نجاح العراق في حماية موارده المائية واستثمارها بكفاءة لن يعني فقط تجاوز أزمة آنية، بل سيشكّل أساسًا لبناء اقتصاد أكثر استدامة، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ الاستقرار الوطني، وضمان حق الأجيال القادمة في مورد يمثل جوهر الحياة والتنمية.

الأكثر قراءة

z