اقتصاد الحرب.. حين تصبح الكلفة هي المعركة (9- 9)

 

 

 

 

عبيدلي العبيدلي **

حين تنتصر الجيوش وتُهزم المجتمعات

كشفت الحلقات الثمان السابقة من هذه الدراسة، أن الحرب، مهما بدت في ظاهرها صراعًا بين طرف غالب وطرف مغلوب، فإن محصلتها النهائية لا تُقاس فقط بمن يرفع راية النصر في نهاية المعركة، ولا بمن يحتفظ بالأرض، أو يفرض شروط التسوية، أو يعلن تفوقه العسكري والسياسي؛ فالتاريخ يعلمنا أن الحروب كثيرًا ما تُنتج رابحًا سياسيًا مؤقتًا وخاسرًا عسكريًا مباشرًا، لكنها في العمق تُخلّف خسارة فادحة تطال جميع الأطراف التي انخرطت فيها، بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة. ذلك أن الحرب، كما أشارت الدراسة، ليست معادلة صفرية بسيطة، تنتهي بإضافة رصيد إلى طرف ورصيد خصم من طرف آخر؛ إنها عملية استنزاف شاملة، تستهلك المال، والعمران، والثقة، والاستقرار، والأعصاب، والذاكرة، والإنسان نفسه.

في البعد الاقتصادي والمالي، تبدو الكلفة أكثر وضوحًا وقابلية للقياس. فالحرب ترفع الإنفاق العسكري إلى مستويات استثنائية، وتعيد توجيه الموارد من التعليم والصحة والبنية التحتية والتنمية إلى السلاح والذخيرة والتحصين والطوارئ. وهي تخلق ضغطًا على الموازنات العامة، وتزيد العجز، وتدفع الحكومات إلى الاقتراض، أو رفع الضرائب، أو تقليص الخدمات، أو طباعة المزيد من العملة، بما يفتح الباب أمام التضخم وتآكل القدرة الشرائية. كما أن الحرب تضرب الأسواق، وتعطل سلاسل الإمداد، وترفع أسعار الطاقة والغذاء والنقل والتأمين، وتزيد حالة عدم اليقين لدى المستثمرين. وحتى الدول التي لا تكون طرفًا مباشرًا في القتال لا تسلم من آثار الحرب، إذ تنتقل إليها الصدمة عبر أسعار النفط، وأسواق المال، وحركة التجارة، وتكاليف الشحن، والهجرة، والتحولات الجيوسياسية.

لكن اختزال كلفة الحرب في الأرقام المالية وحدها يُعدّ تبسيطًا خطيرًا. فالأرقام تكشف جزءًا من الحقيقة، لكنها لا تستطيع أن تلتقط عمق الخسارة الإنسانية والاجتماعية والنفسية. يمكن احتساب تكلفة صاروخ، أو خسارة منشأة، أو تراجع الناتج المحلي، لكن من الصعب احتساب تكلفة الخوف الذي يسكن الأطفال، أو القلق الذي يلازم الأسر، أو الإحساس بانهيار الأمان، أو فقدان الثقة بالمستقبل. إن الحرب لا تدمر المباني فقط، بل تدمر الإيقاع الطبيعي للحياة. تُربك النوم، وتغيّر العادات، وتعيد تشكيل السلوك اليومي، وتجعل الإنسان يعيش في حالة انتظار دائم للخطر.

ومن أخطر ما تخلّفه الحروب أنها تجعل الخوف حالة اجتماعية عامة، لا شعورًا فرديًا عابرًا. فحين يسمع الناس أصوات الانفجارات، أو يتابعون الأخبار المتلاحقة، أو ينتظرون بيانًا عسكريًا جديدًا، تتحول حياتهم إلى دائرة من الترقب والتوتر. يتراجع الشعور بالطمأنينة، وتزداد العصبية، وتضعف القدرة على التركيز، وينتشر الإرهاق النفسي. وفي المجتمعات التي تطول فيها الحرب، يصبح القلق جزءًا من الشخصية العامة للمجتمع، وتظهر أنماط سلوكية جديدة: سرعة الغضب، الانكفاء على الذات، الشك بالآخر، الميل إلى التخزين، الخوف من السفر، تراجع المبادرة، وفقدان الحماسة للمستقبل.

وتتجلى الكلفة السلوكية للحرب في ظاهرة خطيرة هي تطبيع العنف. فعندما يعتاد المجتمع صور الدمار والقتل والانتقام، يتراجع الإحساس بفظاعة العنف، ويصبح الخطاب العام أكثر قسوة وحدة. تتسع لغة التخوين، وتضعف مساحة الحوار، ويُنظر إلى التسامح بوصفه ضعفًا، وإلى العقلانية بوصفها ترددًا، وإلى الدعوة للسلام بوصفها خيانة. وهكذا لا تنتج الحرب خرابًا ماديًا فقط، بل تنتج أيضًا تشوهًا في الوعي العام، حيث تصبح القوة معيارًا وحيدًا، وتُهمّش القيم المدنية والإنسانية.

ومن الشواهد التاريخية الواضحة أن الدول الخارجة من الحروب لا تعود بسهولة إلى ما كانت عليه قبلها. فالحرب العالمية الثانية انتهت بانتصار دول كبرى، لكنها تركت أوروبا مدمرة، واقتصادات منهكة، ومدنًا محطمة، وملايين الضحايا والنازحين. وحروب العراق وأفغانستان أظهرت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة انتصارًا استراتيجيًا كاملًا، لأن كلفة الاحتلال، وإعادة البناء، والاضطراب الاجتماعي، والضحايا، والإنفاق الطويل الأمد، قد تتجاوز بكثير كلفة المعركة الأولى. وفي كل حرب حديثة تقريبًا، يتضح أن اللحظة العسكرية قد تكون قصيرة، لكن ذيولها الاقتصادية والنفسية والاجتماعية قد تمتد لأجيال.

لذلك فإن السؤال الحقيقي في نهاية أي حرب ليس: من انتصر؟ بل: ماذا بقي بعد الانتصار؟ هل بقي اقتصاد قادر على النهوض؟ هل بقي مجتمع متماسك؟ هل بقي جيل يؤمن بالمستقبل؟ هل بقيت مؤسسات موثوقة؟ هل بقيت ذاكرة وطنية قادرة على التعافي بدل الغرق في الثأر؟ هذه الأسئلة تكشف أن النصر العسكري قد يكون أحيانًا أقل شأنًا من الخسارة الإنسانية الشاملة التي تتركها الحرب خلفها.

إن الخلاصة المركزية هنا، حين تتحول إلى خيار سياسي أو أمني، تفتح بابًا واسعًا لكلفة يصعب التحكم فيها. تبدأ الكلفة من الموازنة، لكنها لا تنتهي عندها. تبدأ من الاقتصاد، لكنها تمتد إلى النفس والسلوك والمجتمع والثقافة والعلاقات الإنسانية. ولذلك فإن أخطر ما في الحرب أنها لا تستهلك ما تملكه الدول فحسب، بل تستهلك ما يمكن أن تكونه في المستقبل. ومن هنا يصبح الاقتصاد الحقيقي للحرب ليس فقط اقتصاد المال والسلاح، بل اقتصاد الخوف، والقلق، والضياع، والفرص المهدورة، والثقة المكسورة.

وفي النهاية، قد يخرج طرف من الحرب وهو يعلن النصر، وقد يخرج طرف آخر وهو يعترف بالخسارة، لكن الحقيقة الأعمق أن كل من دخل الحرب دفع ثمنًا. بعض الأطراف يدفعه نقدًا وديونًا، وبعضها يدفعه خرابًا ونزوحًا، وبعضها يدفعه عزلة وقلقًا، وبعضها يدفعه من ذاكرة أبنائه ومستقبل أجياله. ولهذا فإن الحرب، مهما تغيرت نتائجها العسكرية، تظل في محصلتها النهائية خسارة إنسانية كبرى. أما أعقل السياسات فهي تلك التي تدرك قبل فوات الأوان أن منع الحرب أقل كلفة بكثير من الانتصار فيهاTop of FormBottom of Form

.>>>. .

********************

** تنويه: الكاتب استعان بمجموعة من برمجيات الذكاء الاصطناعي وخوارزمياتها، إضافة إلى محركات البحث، من بين الأهم فيها:

https://chatgpt.com

https://www.perplexity.ai/

https://gemini.google.com

https://www.copilot.com/

https://www.genspark.ai

** خبير إعلامي

الأكثر قراءة

z