عندما تصبح لوائح الفيفا حبراً على ورق أمام سطوة النجوم

حمد الناصري
 لم يعد كأس العالم لكرة القدم 2026 مجرد بطولةٍ رياضيةٍ للتنافس الشريف، بل تحوّلَ إلى مسرح مكشوف يُعرّي المعايير المزدوجة للاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا". إنّ المشهد المخزي الذي شهده ربع النهائي، عندما وقف النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي شاهراً إصبعه في وجه الحكم البرتغالي "جواو بينيرو"، مهدداً إياه بعبارات حادة: "تحدث معي باحترام"، يضع سمعة المنظومة الدولية بأكملها على المحك، ويُثبت أنّ القوانين في قاموس الفيفا تُفَصّل على مقاس الأسماء لا على مقاس العدالة والنزاهة.

   إنّ لوائح الاتحاد الدولي الرسمية تنصّ بشكل صارم لا يقبل التأويل على مُعاقبة أي لاعب يتطاول على موظفي المباراة أو يُمارس ترهيباً لفظياً وحركياً ضد طاقم التحكيم، وهي مخالفات تصل عقوبتها المباشرة إلى الطرد الفوري والإيقاف لعدة مباريات؛ لكن ما حدث على أرضية الميدان كان استثناءً صارخاً وفاضحاً يَندى له جبين الروح الرياضية. لقد مرّت الواقعة برمتها دون أدنى عقوبة إدارية، وكأنّ هناك "حصانة مُطلقة" تمنع الحكام من رفع البطاقات في وجه النجم المدلل للبطولة.

   إنّ هذا الصمت المريب من قِبَل الفيفا ليس مجرد هفوة تحكيمية عابرة، بل هو تجسيد حيّ لفساد المنظومة التي باتت تُقدّم الاستثمار المالي والأرباح التسويقية على حساب شرف اللعبة؛ فبقاء ميسي في المونديال يضمن تدفق المليارات والمشاهدات، حتى لو كان الثمن هو ذبح القوانين وإهانة كرامة قُضَاة الملاعب. هذا التمييز الفج يبعث برسالة مدمرة للأجيال القادمة: "إنْ كنت قوياً فاسمعني صوتك"؛ فاللاعب ميسي كأنه يقول لقاضي التحكيم: لستَ قوياً بما يكفي حتى أسمعك أو أصغي إليك، فالقوانين لا تنطبق عليّ!

    خُلاصة القول: إنّ مونديال 2026 سيتذكره التاريخ لا بجمالية أهدافه، بل بالنقطة السوداء التي لطخت ثوب العدالة الرياضية. لقد سقطت الأقنعة تماماً، وأثبت الفيفا أنه مؤسسة تجارية تبحث عن بريق النجوم لزيادة مبيعاتها، مضحيةً بالنزاهة التي طالما صدّعَت بها الرؤوس تحت شعار "اللعب النظيف". والكرة "فن وأخلاق"؛ فأين هو اللعب النظيف؟ وأين نجد ذلك الفن بأخلاقه العالية؟ بل هي إدانة صريحة لمنظومة باتتْ تحمي مصالحها المالية على حساب المبادئ الأخلاقية للرياضة الأكثر شعبية في العالم.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z