عبيدلي العبيدلي**
تاسعًا: الشركات الصغيرة والمتوسطة تدفع فاتورة لا تراها العناوين
غالبًا ما تركز التحليلات الاقتصادية للحروب على النفط، والأسواق، والموازنات، وأسعار الفائدة. لكن الشركات الصغيرة والمتوسطة تكون من أكثر المتضررين من الكلفة غير المباشرة. فهذه الشركات لا تملك غالبًا أدوات التحوط، ولا قدرة كبيرة على تخزين المواد، ولا قوة تفاوضية مع شركات الشحن، ولا سيولة كافية لامتصاص ارتفاع مفاجئ في التكاليف.
صاحب المصنع الصغير يدفع كلفة الحرب عندما ترتفع أسعار المواد الخام أو تتأخر الشحنات. والتاجر يدفعها عندما ترتفع كلفة الحاوية. وشركة الخدمات تدفعها عندما ترتفع الكهرباء والوقود. وشركة التقنية تدفعها عندما ترتفع أسعار الأجهزة أو الخوادم أو الخدمات المستوردة. والمطعم يدفعها عندما ترتفع المواد الغذائية والنقل. وحتى الشركات المحلية التي لا تستورد مباشرة تتأثر لأن مورديها يستوردون.
وتواجه هذه الشركات معضلة صعبة: هل ترفع الأسعار وتخاطر بفقدان العملاء؟ أم تتحمل الكلفة وتخسر هامش الربح؟ أم تقلل العمالة أو الإنتاج؟ كل خيار يحمل خسارة. ولذلك فإن الحرب قد تؤدي إلى تباطؤ قطاع ريادة الأعمال، وتراجع التوظيف، وزيادة حالات التعثر، خصوصًا في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد.
ويزداد الخطر إذا تزامن ارتفاع الكلفة مع ارتفاع الفائدة. فالشركة الصغيرة التي تحتاج إلى تمويل رأس مال عامل ستجد القرض أغلى. وإذا تأخرت شحناتها، ستحتاج إلى سيولة إضافية. وإذا تراجع الطلب بسبب التضخم، ستنخفض مبيعاتها. هكذا تصبح الحرب حلقة ضغط على الشركات الصغيرة والمتوسطة، رغم أنها ليست طرفًا فيها.
ومن هنا، فإن الحكومات التي تريد تخفيف آثار الحرب القريبة يجب أن تنظر إلى هذا القطاع بعناية. فقد تحتاج الشركات الصغيرة إلى تسهيلات ائتمانية، أو دعم مؤقت للشحن، أو تأجيل الرسوم، أو ضمانات للقروض، أو برامج مساعدة في إدارة المخزون وسلاسل الإمداد. فالخسارة في هذا القطاع لا تعني خسارة شركات فقط، بل خسارة وظائف، ودخل، واستقرار اجتماعي.
عاشرًا: الموازنات العامة بين الدعم والدين
تتعرض الموازنات العامة لضغوط متعددة بعد الحرب. فالدول المستوردة للطاقة تواجه ارتفاعًا في فاتورة الوقود. وإذا كانت تدعم الطاقة أو الغذاء، فإن كلفة الدعم ترتفع. وإذا لم تدعم، فإن المواطنين يدفعون السعر مباشرة، مما يزيد الضغط الاجتماعي. أما الدول المصدرة للطاقة، فقد تستفيد من ارتفاع الأسعار، لكنها في الوقت ذاته تواجه كلفة أعلى للأمن، والتأمين، وحماية المنشآت، وربما دعم بعض القطاعات المتضررة.
في الحالتين، تصبح الموازنة العامة أمام خيارات صعبة. فزيادة الدعم تعني زيادة العجز. وخفض الدعم يعني ارتفاع الأسعار. والاقتراض يعني ارتفاع خدمة الدين. وتأجيل المشاريع يعني تباطؤ التنمية. ورفع الضرائب أو الرسوم قد يضغط على القطاع الخاص. لذلك فإن كلفة الحرب لا تظهر فقط في الميدان، بل تظهر في جداول الموازنات، وفي قرارات وزارات المالية، وفي أولويات الإنفاق العام.
وتكون الدول ذات الديون المرتفعة أكثر عرضة للخطر. فإذا كانت الفائدة العالمية مرتفعة، فإن الاقتراض يصبح أغلى. وإذا ارتفعت أسعار الطاقة، فإن العجز التجاري والمالي يتسع. وإذا ضعفت العملة، زادت كلفة خدمة الدين الخارجي. وهذا قد يدفع بعض الدول إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي أو الاستثماري، وهو ما يترك أثرًا مباشرًا على النمو والوظائف.
أما الدول الخليجية، فرغم قوة موازناتها النسبية، فإنها ليست خارج المعادلة. فالإنفاق الأمني والاحترازي قد يرتفع، وبعض المشاريع قد يُعاد تسعيرها، والتأمين على البنية التحتية، والموانئ، والطيران قد يصبح أغلى. وقد تحتاج الحكومات إلى دعم قطاعات مثل الشحن، والسياحة، والطيران إذا تأثرت. لذلك فإن أثر الحرب على الموازنات ليس واحدًا، لكنه حاضر بدرجات مختلفة.
حادي عشر: أسواق المال بين التفاؤل المؤقت والحذر العميق
عندما تُعلن الهدنة، تميل أسواق المال إلى التفاؤل. تنخفض أسعار النفط، وترتفع بعض الأسهم، وتتحسن شهية المخاطرة، وتتنفس الأسواق قليلًا. لكن هذا التفاؤل يكون غالبًا سريعًا وحذرًا. فالأسواق لا تسأل فقط: هل توقفت الحرب؟ بل تسأل: هل ستصمد الهدنة؟ هل ستفتح الممرات بالكامل؟ هل ستنخفض أقساط التأمين؟ هل ستتراجع العقوبات؟ هل ستلتزم الأطراف؟ هل يمكن أن يعود التصعيد؟
لذلك فإن الأسواق قد تتحسن، لكنها لا تنسى الخطر. وقد يظل المستثمرون يحتفظون بجزء من علاوة المخاطر في تقييماتهم. والأسهم المرتبطة بالطاقة، والشحن، والتأمين قد تبقى متقلبة. والعملات في الدول المستوردة للطاقة قد تبقى تحت ضغط. والسندات في الأسواق الناشئة قد تظل تطلب عائدًا أعلى. والذهب أو الأصول الآمنة قد يحتفظان بجزء من الجاذبية.
وهذا يعني أن الهدنة السياسية لا تنتج دائمًا استقرارًا ماليًا كاملًا. فهي تفتح باب التحسن، لكنها لا تضمنه. فالاستقرار المالي يحتاج إلى استمرار الهدوء، لا مجرد بدايته. وكل تصريح حاد، أو حادث بحري، أو تأخير في تنفيذ الاتفاق، قد يعيد المخاوف إلى الأسواق.
وقد تكون هذه إحدى أهم الخسائر القريبة: استمرار التقلب. فالتقلب نفسه مكلف. إنه يرفع كلفة رأس المال، ويجعل الشركات تؤجل الطروحات، ويجعل المستثمرين يطلبون خصمًا أكبر، ويزيد صعوبة التخطيط. لذلك فإن الاقتصاد بعد الهدنة يدخل مرحلة لا هي حرب كاملة، ولا سلام كامل؛ إنها مرحلة تسعير يومي للشك.
ثاني عشر: التجارة العالمية وسلاسل الإمداد
أثبتت الحرب مرة أخرى أن سلاسل الإمداد العالمية لا تزال هشة. فالعالم بنى جزءًا كبيرًا من تجارته الحديثة على فكرة السرعة والكفاءة وتقليل المخزون. لكن هذه الفكرة تصبح خطرة عندما تتعرض الممرات الحيوية للتهديد. فعندما ترتفع احتمالات التعطل، تضطر الشركات إلى التخلي عن بعض الكفاءة مقابل الأمان.
بعد الحرب، ستعيد كثير من الشركات النظر في سلاسل الإمداد. قد تزيد المخزون الاحتياطي. وقد تنوع الموردين. وقد تستخدم موانئ بديلة. وقد توقع عقود شحن أطول. وقد تدفع أكثر مقابل ضمان الوصول. كل ذلك يعني أن التجارة العالمية ستصبح أكثر مرونة، لكنها أيضًا أكثر تكلفة.
هذه الكلفة ستنعكس في الأسعار. فالمخزون الإضافي يحتاج إلى تمويل وتخزين. والمورد البديل قد يكون أغلى. والطريق البديل قد يكون أطول. والتأمين الإضافي يزيد الفاتورة. لذلك فإن بناء المرونة بعد الحرب لا يأتي مجانًا. إنه استثمار ضروري، لكنه يرفع التكلفة في المدى القريب.
كما أن بعض الشركات قد تعيد توزيع عملياتها الجغرافية. ليس بالضرورة أن تنسحب من الخليج أو الشرق الأوسط، لكنها قد تقلل اعتمادها على ممر واحد، أو مركز واحد، أو مورد واحد. وهذا قد يغير خريطة التجارة تدريجيًا، حتى إذا لم يظهر الأثر فورًا.
**خبير إعلامي
