د. صالح الفهدي
في صلاة الجمعة، لاحظتُ طفلًا قريبًا مني في الصفِّ الأوَّلِ، فدارَ في نفسي أن أطلبَ منه أن يفسحَ المجالَ لمن هو أكبرُ منه سنًّا كي يحلَّ محلَّه، فأشرتُ إليه، فاقتربَ مني، وسألته من أينَ هو، فقال لي من فلسطين، وتحديدًا من شمال غزَّة، فسألتهُ إن كان قد جاءَ مع أحد إلى الجامع، فأخبرني أنه جاءَ مع والده، وأشار إلى أبيهِ في الصفِّ الثالث أو الرابع من الجامع، فقلتُ له: لماذا لا تجلس قريبًا منه؟ فقال: لأنني أحبُّ أن أصلِّي في الصفِّ الأوَّل! هذه الإجابة منعتني أن أطلبَ منه أن يُخلي مكانه لأحد، لأن أصحاب النفوس الكبيرة يستحقُّون أن يُحتفى بهم، وتحفَّز هممهم، ويُدفعُ بها إلى الصفوف المتقدمة لا أن يأَخَّرون إلى الوراء.
لقد تقدَّم هذا الطفل البالغ اثنا عشر عامًا عن أبيهِ، لأنَّه قد أحبَّ الصفَّ الأول، وما ذلك في ظنِّي إلا بسبب خلةٍ جليلةٍ في خلائقه، دفعتهُ كي يكون في المقدمة، وتلك خصيصةُ النفوس الكبيرة التي لا ترضى لنفسها إلا المقدمة، كما يقول أبوفراس الحمداني:
وَنَحنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ عِندَنا
لَنا الصَدرُ دونَ العالَمينَ أَوِ القَبرُ
تَهونُ عَلَينا في المَعالي نُفوسُنا
وَمَن خَطَبَ الحَسناءَ لَم يُغلِها المَهرُ
إن أصحاب النفوس الكبيرة هم الذين صنعوا الأثر العظيم، ونقصدُ بهم أولئك الذين قدَّموا للإنسانية ما حسَّنَ من معايشها، وللأرضِ ما طوَّر من عمرانها، وللأُمم ما خلَّد من أذكارها، ولهذا فقد أُكرموا بالذكرِ الحسن في صفحات التاريخ الخالدة، واحتفظت لهم الأجيال المتعاقبة بالسِّير الحميدةِ، والثناءات الزكيَّة.
صحيح ما يقولهُ المتنبي عن أصحاب النفوس الكبيرة، ما جاء في بيته:
وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِبارًا
تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ
لكنَّما لكل مقدِّمةٍ ثمن، ولكلِّ صعودٍ قيمة، فمن "يخطبُ الحسناءُ لم يُغلها المهرُ" كما يقول غريمهُ أبوفراس، فمن حملت نفسه همَّةً ذات طموحٍ عالٍ، وشكيمةٍ باسلةٍ، وآمالٍ رفيعةٍ، فعليه أن يتحمَّلَ عبأَ كل ذلك بالمجاهدةِ، والمثابرةِ، والصَّبر، والمكابدة، أمَّا غير ذلك فأبو القاسم الشَّابي قد أبانَ مصيره:
ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِ
يَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفَرْ
وما أكثر الذين لا يحبُّون أن يرتفعوا، ويتقدموا ولهذا بقوا في الحفر لا يُعلمَ عنهم إن حضروا أو غابوا، أمَّا أصحاب النفوس الكبيرة كمثل ذلك الطفل الذي أحبَّ الصفَّ الأوَّل فهم الذين صنعوا التاريخ، وضمنوا للحضارات أن تخلد، وللأمم أن تبقى.
علينا أن نحفِّزَ أبنائنا بالصَّداراتِ والمقدماتِ وأن لا يرضوا بالتأخُّرِ، والتقوقعِ، والتراجع. علينا أن ندفعهم دفعًا ليظهروا أنفسهم بمواهبهم وقدراتهم وعطاءاتهم كي يكون لهم ذكرٌ وأثر، وأن نسردَ لهم في سبيل تحقيق ذلك القصص الشائقة، والعِبر الرائقة. وعلينا قبل كل ذلك أن نكون لهم النماذج التي تهوى الصعودَ لا النكوص، والظهور لا الاختباء، حتى نكون لهم القدوة المُثلى، والنموذج الأرقى.
