حين تتحرر العقول

 

 

 

 

د. صالح الفهدي

 

قال علماء الفلك الأوروبيون: "من المستحيل زراعة القمحِ في بوركينافاسو" فتحدَّى قولهم النقيب إبراهيم تراوري الذي يرأس الحكومةَ في بوركينافاسو، وغرسَ بنفسهِ أول نبتةِ قمح. اليوم تنتج البلاد كميَّات كبيرةٍ من القمح بعد أن قامت بتوسعة المساحات المخصصة لزراعة القمح".

ذكَّرني ذلك بالقصة الشهيرة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيَّان- رحمه الله- حينما أكَّد له كثير من الخبراء والمستشارين الأجانب بأنَّ زراعة مساحات واسعة من الأشجار في الصحراء أمرٌ غير عملي، بسبب شحِّ المياه وقسوة المناخ وارتفاع معدلات التبخر. إلا أن الشيخ زايد لم ينظر إلى الصحراء بوصفها قدرًا لا يتغير، بل بوصفها بيئةً يمكن للإنسان أن يطوِّرها بالعلم والإرادة. وقد استندَ في ذلك إلى خبرته المباشرة بالواحات والأفلاج والزراعة التقليدية في منطقة العين؛ حيث رأى أن الماء إذا أُحسن استثماره أمكن إحياء الأرض، وقد اشتهر عنه قوله المأثور "أعطوني زراعة أضمن لكم حضارة" إيمانًا منه بأنَّ التشجير ليس مجرد تجميل للبيئة، بل أساس للاستقرار والتنمية. وبمرور السنوات، تحوَّلت مساحات واسعة من الأراضي القاحلة إلى حدائق وغابات ومزارع.

نعود إلى دولة بوركينافاسو التي أصبحت تنتج أفضل قمحٍ في أفريقيا، بل وتنتج أنواعًا مختلفةً من الفواكه والخضروات والبقوليات والحبوب، لأنَّها لم تتحرَّر من الهيمنة الغربية وحسب، بل وحرَّرت عقولها من المستحيلات المتكلِّسة، والقناعات البالية التي غرسها بعض من يسمون بـ "الخبراء" و"المستشارين" الذي قالوا ما قالوه لأهدافٍ استعمارية، ولكي تظل الشعوب الفقيرة فقيرة، تنهبها تلك الدول (المتقدمة) وتسلب ثروات شعوبها.

آمن النقيب إبراهيم تراوري أن "البلد الذي لا ينتج غذاءه لا يملك قراره" باعتبار أنَّ الزراعة في نظره هي السلاح الأقوى لتحقيق الاستقلال السياسي، وفي الوقت الذي يصرِّح فيه مسؤولٌ غربي بأنَّ هذا الرئيس يلعب بأموالِ بلده، كانت حكومة الرئيس تراوري تضخّ الأموال في استثمارات ضخمة لشراء وتوزيع آلاف الآلات والمدخلات الزراعية والمحاريث الآلية والمضخات لدعم المزارعين في المناطق. هذه الأموال جاءت بعد أن أنهت بوركينا فاسو هيمنة فرنسا والشركات الغربية على مناجم الذهب من خلال استراتيجية صارمة تعتمد على تأميم الموارد، وحظر التصدير للخارج، وبناء صناعات تحويلية محلية.

واليوم تشهد بوركينافاسو نهضةً زراعية واسعةً بزراعة الكثير من المحاصيل التي كانت تستوردها سابقًا من أوروبا وغيرها فأصبحت تصدِّرها إليهم!، بل إن الرئيس يروِّج إلى شقِّ قناة مائية كبرى (Irrigation Mega-Canal) في الصحراء لنقل المياه العذبة، وإنهاء الجفاف في البلاد وتحويل الساحل الأفريقي إلى أراضٍ خضراء.

هنا أتذكَّر حكايةً رواها أحد الإيطاليين ويدعى إرنستو سيروللي في حديثه إلى TED قائلًا: "قررنا نحن الإيطاليون أن نعلّم أهل زامبيا كيفية إنتاج المحاصيل الزراعية، وصلنا هناك محمَّلين ببذور إيطالية إلى جنوب زامبيا، إلى ذلك الوادي الرائع المؤدي إلى نهر زامبيزي، وعلّمنا السكان المحليين كيفية زراعة الطماطم الإيطالية والكوسة وغيرها، وبالطبع لم يكن للسّكان المحليين أدنى اهتمام بذلك لذلك وجب علينا أن ندفع لهم أجورًا حتى يأتوا، ويعملوا، وفعلًا كانوا يأتون. وكنّا نستغرب لأمر السكان المحليين، الذين لا يزرعون في مثل هذا الوادي الخصب. لكن بدل أن نسألهم عن السبب الكامن وراء ذلك، قلنا لهم ببساطة "اشكروا الله على مجيئنا في الوقت المناسب تمامًا لإنقاذ الشعب الزامبي من الموت جوعا"، وبالطبع نمت محاصيل الطماطم، وكان الأمر مذهلًا حيث كنا نقول للزامبيين: "أنظروا ما أسهل الفلاحة!". فلمَّا نضجت الطماطم واحمرّ لونها خرج من النهر قرابة مئتي فرس بحر، دون سابق إنذار، والتهمت كل شئ..! فقلنا للزامبيين، "يا إلهي، أفراس النهر!" حينها أجاب الزامبيون، "نعم، ولهذا السبب لا يوجد زراعة في هذه المنطقة." قلنا لهم: ولكن لما لم تخبرونا من قبل؟" فقالوا: لأنكم لم تسألوننا عن ذلك".

الشاهد أن المستحيل كامنٌ في العقول، وأن القيود الحقيقية هي قيود الأفكار، والعزائم، فإذا تحرَّرت العقول، تكسرت القيود وانطلقت الأفكار والعزائم لتنشأ حضارة، ولا يتوقع أحد أن يفهم "خبراءٌ" و"استشاريون" أكثر مما يفهمه أهل البلاد، وهنا أذكر قصَّة مرويَّة في قريتي منذ سنواتٍ طويلة حينما جاءَ "خبيرٌ" ليعلِّم الأهالي كيفية الزراعةِ، ومواسم المحاصيل، وكيفية استصلاح التربية، فردَّ عليه رجلٌ أعمى كان يلقَّب بـ "الحكيم" وقد كان طوال وقت استماعه للخبير قد أسند رأسه على عصاه: "لقد تعلَّمتَ أنتَ كل ذلك على طاولة، أمَّا نحن فقد تعلَّمناه في الأرض".

لا عمران لبلدٍ إلا بعقولٍ أهلها، ولا سيادةَ تتحقَّق إلا بسيادتها على مواردها.

الأكثر قراءة

z