سوق القهوة في عُمان وصعود العلامات التجارية المحلية

 

 

 

 

 

نبيل بن حيدر البلوشي

Nabeel.h.albalushi@gmail.com

 

لم تعُد العلامات التجارية العُمانية للقهوة مجرد مقاهٍ صغيرة تتنافس فيما بينها على زبائن الحي، بل تحولت إلى منافس حقيقي للعلامات العالمية الكبرى الحاضرة في السلطنة؛ إذ بعد سنوات قليلة من انطلاقها، باتت هذه العلامات المحلية تفرض حضورها في مشهد تنافسي كان إلى وقت قريب حكرا على السلاسل الدولية، معتمدة على هوية واضحة وقصة نمو سريعة تعكس نضج قطاع ريادة الأعمال في البلاد.

علامات محلية تكسر احتكار العلامات العالمية، لسنوات طويلة كانت السلاسل العالمية للقهوة هي الخيار الأول أمام الباحثين عن تجربة قهوة "عصرية" في السلطنة، بفضل ما تملكه من ميزانيات تسويقية ضخمة وحضور عالمي راسخ يمنحها ثقة فورية لدى المستهلك. غير أن المشهد بدأ يتغير بوضوح خلال السنوات الأخيرة، مع ظهور عدد متزايد من العلامات التجارية العُمانية التي نجحت في اقتطاع حصة متنامية من هذا السوق، وتحويل نفسها من بدائل محلية هامشية إلى منافس فعلي يحسب له حساب.

وما يُميز هذه العلامات أنها لا تكتفي بتقليد نموذج العلامات العالمية، بل تراهن على نقاط قوة مختلفة تماماً، الأصالة، والقرب من المستهلك، والقدرة على تقديم منتج يحمل بصمة خاصة، وهو ما تعجز عنه غالباً السلاسل الكبرى ذات النموذج الموحد عالميا.

تعتمد العلامات العُمانية الناشئة على مجموعة من الأدوات التنافسية لمجاراة العلامات الدولية رغم الفارق الكبير في الموارد. فبينما تراهن السلاسل العالمية على التوسع السريع والتوحيد القياسي للمنتج والتجربة في كل فروعها، تختار العلامات المحلية طريقا مختلفا قائما على التميز في التفاصيل، التحكم المباشر في عملية تحميص البن، وابتكار خلطات ونكهات حصرية، وبناء علاقة شخصية مع الزبون، وسرد قصة علامة تجارية أصيلة يسهل على المستهلك المحلي التماهي معها.

كما استثمرت هذه العلامات بذكاء في منصات التواصل الاجتماعي كأداة تسويقية منخفضة الكلفة لكنها عالية الأثر، إذ نجحت في بناء قاعدة جماهيرية وفية عبر المحتوى المرئي والتفاعل المباشر مع المتابعين، بما عوض جزئيا الفجوة في الميزانيات التسويقية مقارنة بالعلامات العالمية. وأسهم هذا الحضور الرقمي في تحويل بعض هذه العلامات إلى "ترند" محلي يفتخر الشباب العُماني بدعمه وارتياده.

تدرك العلامات التجارية العُمانية أن منافسة السلاسل العالمية على أرضها، أي على مقاييس الحجم والانتشار الجغرافي، معركة خاسرة في المدى القريب. لذلك فضل معظمها التموضع في خانة مختلفة تماما، فلقد اشتغلت بعض هذه المقاهي العمانية الناشئة على بناء علامة تحمل هوية وطنية واضحة، تعكس التراث والذوق المحلي بدلا من محاكاة تجربة موحدة تقدَم بالشكل نفسه في أي مدينة حول العالم. هذا التموضع منح العلامات المحلية ميزة عاطفية يصعب على المنافس الدولي تكرارها؛ إذ يشعر الزبون بأنه يدعم اقتصادًا ورائد أعمال محليًا حين يختار فنجان قهوة عُماني الصنع.

ويعزز من هذا التموضع دعم حكومي متنام لرواد الأعمال في هذا القطاع، عبر برامج تدريب وتمويل ومبادرات لتشجيع المنتج الوطني، بما يمنح العلامات المحلية فرصة أكبر للصمود والنمو في مواجهة منافسين يملكون موارد أكبر بكثير.

ورغم هذا الزخم، ما تزال بعض العلامات العُمانية تواجه فجوة حقيقية في الموارد المالية والتسويقية مقارنة بالعلامات العالمية، وهو ما يحد من قدرتها على التوسع السريع أو فتح فروع متعددة في وقت قصير. كما تواجه تحديا إضافيا يتمثل في إقناع شريحة من المستهلكين، لا تزال ترى في العلامة العالمية ضمانا للجودة والاتساق، بأن المنتج المحلي لا يقل احترافية أو تميزا. وتبقى مسألة الحفاظ على مستوى موحد من الجودة مع كل توسع جديد اختبارا حقيقيا لقدرة هذه العلامات على الاستمرار في المنافسة دون أن تفقد هويتها الأصيلة.

ومن وجهة نظري، أرى أن الفجوة بين العلامات المحلية والعالمية في سوق القهوة العُماني اخذة في التقلص تدريجيا، مدفوعة بجيل من رواد الأعمال الشباب الأكثر طموحا واحترافية، وبمستهلك محلي يزداد وعيا واعتزازا بدعم المنتج الوطني. وإذا استمر هذا الزخم، فمن المرجح أن تنتقل بعض العلامات العُمانية من مرحلة المنافسة المحلية إلى التطلع نحو أسواق إقليمية أوسع، لتكتب بذلك فصلا جديدا في قدرة المنتج العُماني على الوقوف نداً لند أمام أكبر العلامات العالمية.

** خبير اقتصادي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z