مدينتان مغربيتان تحت الحكم الإسباني.. ماذا نعرف عن سبتة ومليلية؟

عواصم - الوكالات

لا تمثل سبتة ومليلية مجرد مدينتين صغيرتين على الساحل الشمالي للمغرب، بل تعدان من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، إذ تجمعان بين تعقيدات التاريخ والسياسة والجغرافيا، فضلًا عن كونهما إحدى أبرز بوابات الهجرة غير النظامية من أفريقيا نحو أوروبا. وقد أعادت موجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة خلال صيف 2026 هذا الملف إلى صدارة الاهتمام الدولي، بعدما تحولت المدينة إلى مسرح لأكبر أزمة هجرة تشهدها الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي منذ سنوات.

وتقع سبتة ومليلية على الأراضي المتصلة جغرافيًا بالمغرب، لكنهما تخضعان للإدارة الإسبانية وتتمتعان بالحكم الذاتي، في حين يعتبرهما المغرب جزءًا من أراضيه المحتلة ويؤكد باستمرار تمسكه بحقه في استعادتهما، بينما ترى إسبانيا أنهما جزء لا يتجزأ من أراضيها الوطنية، وهو ما يجعل الملف أحد أبرز نقاط الخلاف التاريخية بين البلدين.

وتعود جذور النزاع إلى أكثر من ستة قرون، عندما احتلت البرتغال مدينة سبتة عام 1415، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى السيادة الإسبانية، فيما خضعت مليلية للسيطرة الإسبانية عام 1497. ومنذ استقلال المغرب عام 1956، تطالب الرباط باستعادة المدينتين والجزر المجاورة، إلا أن مدريد ترفض أي نقاش بشأن سيادتها عليهما، كما لا تصنف الأمم المتحدة سبتة ومليلية ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي الخاضعة لإنهاء الاستعمار.

وتكتسب المدينتان أهمية استراتيجية استثنائية، إذ تقع سبتة على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، ولا يفصلها عن الساحل الإسباني سوى نحو 26 كيلومترًا، بينما تقع مليلية شرقها بمحاذاة مدينة الناظور المغربية، ما يجعلهما بوابتين مباشرتين بين القارتين الأفريقية والأوروبية، ونقطتين محوريتين في ملفات الأمن والهجرة والتجارة.

كما تمثل المدينتان منفذًا اقتصاديًا مهمًا، إذ تعتمدان على النشاط التجاري والموانئ والصيد البحري، إضافة إلى تمتعهما بامتيازات ضريبية داخل إسبانيا، غير أن قربهما من المغرب جعلهما أيضًا مركزًا لعمليات التهريب والتجارة غير النظامية، فضلًا عن كونهما مقصدًا لآلاف المهاجرين الساعين إلى الوصول إلى أوروبا.

وخلال يوليو/تموز 2026، شهدت سبتة أكبر موجة عبور غير نظامية في تاريخها، بعدما تدفق إليها عشرات الآلاف من المهاجرين خلال أيام قليلة، في مشهد أربك السلطات الإسبانية، ودفع مدريد إلى إعلان حالة طوارئ إنسانية واجتماعية، واستدعاء الجيش لتعزيز حماية الحدود، فيما كثفت السلطات المغربية انتشارها الأمني ونسقت عمليات إعادة المهاجرين، وهو ما أسهم في إعادة عشرات الآلاف منهم إلى الأراضي المغربية خلال فترة وجيزة.

وأثارت الأزمة نقاشًا واسعًا داخل الاتحاد الأوروبي بشأن أمن حدوده الخارجية، وأعادت إلى الواجهة الدعوات إلى تشديد الرقابة على الحدود، وتعزيز التعاون مع دول شمال أفريقيا للحد من الهجرة غير النظامية، في ظل المخاوف من تكرار سيناريو سبتة في نقاط عبور أخرى على البحر المتوسط.

ويرى مراقبون أن أزمة سبتة الأخيرة لم تكن مجرد أزمة هجرة، بل كشفت عن تشابك الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، وأكدت أن مستقبل المدينتين سيظل مرتبطًا بتوازنات إقليمية معقدة، وبقدرة الأطراف المعنية على إدارة ملف الهجرة، والحفاظ على استقرار إحدى أكثر المناطق حساسية على الضفة الجنوبية للمتوسط.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z