ماذا لو.. كان أقرب؟

 

 

حسين اللواتي**

ليس كل رئيس تنفيذي بعيدًا عن موظفيه بسبب المسافة... أحيانًا تصنع المكاتب ما لا تصنعه الجدران.

أوقفني، بعد انتهاء ورشة تدريب في إحدى المؤسسات الكبرى، أحد المشاركين.

انتظرني حتى وصلت إلى مواقف السيارات، ثم قال: "كنت في انتظارك فقط لأريك نافذة مكتب الرئيس التنفيذي... هناك، في الطابق الثاني". رفعت رأسي إلى حيث أشار، ثم أكمل بابتسامة خفيفة امتزجت بشيء من الأسى: "تصدق... ما شفته من سنة".

ساد الصمت.

وقبل دقائق فقط، كنا داخل قاعة التدريب نتحدث عن القيادة، والتواصل الفعّال، وبناء الثقة، وأهمية حضور القائد بين فريقه. لكن تلك الجملة القصيرة اختصرت فجوة لا يمكن لأي برنامج تدريبي أن يسدها إذا بقي القائد بعيدًا عن الناس.

...

وأعادتني تلك اللحظة إلى موقف آخر قبل سنوات.

عندما تشرفت بتولي مسؤولية الرئيس التنفيذي لإحدى الشركات، قررت منذ الأيام الأولى أن أبدأ بثقافة مختلفة. لم أرد أن يكون مكتب الرئيس التنفيذي مكانًا يهابه الموظفون، بل مساحة يشعرون أنها جزء من مؤسستهم.

وخلال شهرين من تولي الدفة، استقبلت في مكتبي أكثر من مائة موظف من مختلف الإدارات والمستويات الوظيفية. لم تكن لقاءات رسمية أو جلسات لتقييم الأداء، بل حوارات مفتوحة لأستمع، وأتعرف، وأفهم، وأبني جسورًا من الثقة في شركة تجاوز عمرها عشرين عامًا.

وفي أحد الأيام، دخل أحد الموظفين إلى المكتب.

لم يجلس مباشرة.

ظل ينظر إلى السقف، ثم إلى الجدران، ثم إلى زوايا المكتب، وكأنه يكتشف مكانًا جديدًا.

ابتسمت وسألته: "ما الذي يشد انتباهك؟".

فقال بعفوية لا تزال عالقة في ذهني: "تصدق، أستاذ... صار لي سبع سنوات في الشركة، وهذه أول مرة أدخل هذا المكتب".

حينها أدركت أن القضية لم تكن باب مكتب... بل باب علاقة.

ولعل اللافت أن هاتين القصتين ليستا استثناءً، بل تعكسان واقعًا تعيشه مؤسسات كثيرة حول العالم.

فقد توصلت Gallup إلى أن القادة والمديرين يشكلون نحو 70% من التباين في مستوى ارتباط الموظفين بعملهم، وأن المؤسسات التي يرتفع فيها ارتباط الموظفين تحقق، في المتوسط، زيادة بنسبة 23% في الربحية، وتحسنًا بنسبة 18% في الإنتاجية، مع انخفاض واضح في الغياب الوظيفي ودوران الموظفين.

وفي الاتجاه نفسه، تؤكد Harvard Business Review أن الثقة لا تُبنى بالرسائل الرسمية ولا بالاجتماعات المغلقة، وإنما بالحضور الحقيقي للقائد، واستعداده للاستماع، وفهم ما يجري في الميدان قبل أن يقرأه في التقارير.

أما دراسات Hay Group فقد بينت أن المناخ التنظيمي الذي يصنعه القائد يعد من أكثر العوامل تأثيرًا في أداء المؤسسة، وأن هذا المناخ يتشكل من خلال التفاعل اليومي، والاهتمام بالناس، والاعتراف بجهودهم، أكثر مما يتشكل عبر اللوائح والإجراءات.

لهذا، فإن القيادة ليست وظيفة... وليست مكتبًا... وليست طابقًا أعلى، القيادة علاقة.

ولهذا أيضًا، تتحدث مدارس القيادة الحديثة اليوم عن القيادة الخادمة، حيث يرى القائد أن نجاحه يبدأ من تمكين الآخرين، وعن القيادة العلائقية التي تجعل الثقة، والاحترام، والحضور الإنساني أساسًا للتأثير.

إن الموظفين لا ينتظرون من رئيسهم التنفيذي أن يمتلك جميع الإجابات، لكنهم ينتظرون أن يكون قريبًا بما يكفي ليسمع أسئلتهم. ولا ينتظرون أن يحل كل مشكلة بنفسه، لكنهم يريدون أن يشعروا بأن قائدهم يعرف واقعهم، ويشاركهم نجاحاتهم، ويقف معهم في تحدياتهم.

سيدي الرئيس التنفيذي...

كم من الوقت تقضيه كل أسبوع في مكتبك؟

وكم من الوقت تقضيه بين موظفيك؟

ماذا لو خصصت ساعة واحدة كل أسبوع للتجول في مواقع العمل؟

ماذا لو بدأت صباحك بجولة ميدانية قبل أول اجتماع؟

ماذا لو جلست مع الموظفين الجدد لتسمع انطباعاتهم الأولى؟

ماذا لو شاركت فريقك الإنجازات الصغيرة قبل أن تطالبهم بالإنجازات الكبيرة؟

ماذا لو كتبت رسالة شكر لموظف أحدث فرقًا؟

قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة... لكنها تصنع ثقافة، والثقافة هي التي تصنع الأداء، والأداء هو الذي يصنع النتائج.

وربما لهذا السبب، لا يتذكر الموظفون دائمًا القرارات التي اتخذها قادتهم... لكنهم يتذكرون جيدًا كيف جعلهم أولئك القادة يشعرون.

وفي النهاية...ة اسمح لي أن أترك لك سؤالًا واحدًا: ماذا لو... كنت أقرب؟

أقرب إلى موظفيك... أقرب إلى الواقع... أقرب إلى التحديات... وأقرب إلى الإنسان الذي يقف كل صباح ليبني معك نجاح هذه المؤسسة.

فربما... لن تبدأ رحلة التحول الحقيقي بقرار جديد... بل بخطوات قليلة خارج المكتب.

خطوات تجعل القيادة تُرى... قبل أن تُقال.

**عضو مجلس الشورى

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z