بر الحكمان.. حين يتحول الجمال إلى فرصة اقتصادية واعدة

 

 

 

حمود بن علي الطوقي

 

ثمّة أماكن لا تكفي الصور لوصفها، ولا تنجح الكلمات في نقل كامل سحرها. وبرُّ الحكمان أحد هذه الأماكن التي تمنح زائرها شعورًا بأنّه أمام لوحة طبيعية لم تمتد إليها يد الإنسان بعد، فبقيت على فطرتها الأولى كما أرادتها الطبيعة.
منذ سنوات طويلة وأنا أسمع عن هذه المنطقة الواقعة في محافظة الوسطى، وعن شواطئها البيضاء ومياهها الهادئة وطيورها المهاجرة، حتى سنحت لي الفرصة لزيارتها برفقة مجموعة من الأصدقاء. انطلقت رحلتنا من مسقط في ساعات الصباح الأولى، مرورًا بولاية سناو التي تُشكّل بوابة العبور إلى محافظة الوسطى. ثم واصلنا السير عبر الطرق الممتدة وسط مشاهد صحراوية وسهول مفتوحة حتى وصلنا إلى ولاية محوت، ومنها أكملنا الطريق نحو بر الحكمان. واستغرقت الرحلة قرابة 8 ساعات مع فترات التوقف والاستراحة، إلا أنّ جمال الوجهة التي كنّا نقصدها جعل الطريق جزءًا من متعة الرحلة نفسها، وكان جمال المكان كفيلًا بأن يجعلنا ننسى مشقة الطريق بمجرد وصولنا إلى شبه جزيرة بر الحكمان. ما لفت انتباهنا وانتباه الزائر إلى بر الحكمان منذ اللحظة الأولى هو ذلك الامتزاج الفريد بين البحر والرمال البيضاء الناعمة والبحيرات الضحلة التي تتشكل بفعل حركة المد والجزر، وكأن الطبيعة أرادت أن ترسم مشهدًا مختلفًا في كل ساعة من ساعات النهار. أما في المساء، فتتحول المنطقة إلى عالم آخر من الهدوء والسكينة؛ حيث تنخفض درجات الحرارة إلى نحو 22 درجة مئوية بعد أن تبلغ قرابة 35 درجة خلال ساعات الظهيرة، ما يجعلها بيئة مثالية للتخييم والاستجمام.

وما إن وصلنا إلى "المخيم" أو الشاليه الذي اخترناه مقرًا لإقامتنا خلال أيام الرحلة، وهو "مخيم الدولفين" الذي يديره أحد أبناء المنطقة، حتى شعرنا أننا انتقلنا إلى عالم مختلف من الهدوء والبساطة والجمال. فقد شُيّدت هذه الشاليهات من الأخشاب بأسلوب ينسجم مع طبيعة المكان ويحافظ على بيئته البكر، فيما تعتمد على الألواح الشمسية في توليد الطاقة الكهربائية وتوفير الإنارة، في نموذج يعكس الاهتمام بالاستدامة البيئية والتعايش المتناغم مع الطبيعة دون الإخلال بجمالها أو خصوصيتها.

وخلال إقامتنا وتجولنا في المنطقة، تعرفنا على عدد من السياح القادمين من دول أوروبية مختلفة ممن اختاروا بر الحكمان وجهةً لهم للاستمتاع بالطبيعة والهدوء. وكان من بينهم بريطاني مقيم، والذي اتخذ من بر الحكمان مقرًا للعيش؛ حيث يقطن في بر الحكمان منذ أكثر من 10 سنوات، مستفيدًا من طبيعتها البكر في ممارسة هوايته المفضلة في التخييم، إلى جانب تنظيم أنشطة لتعليم الزوار الطيران الشراعي وتشجيعهم على ممارسة السباحة والغوص واستكشاف جمال البيئة البحرية. وأخبرني أن المنطقة تستقطب سنويًا أعدادًا متزايدة من السياح القادمين من مختلف أنحاء العالم؛ حيث يقضي بعضهم أسبوعًا أو أسبوعين، بينما تمتد إقامة آخرين إلى شهر كامل، بحثًا عن الاسترخاء والابتعاد عن صخب الحياة اليومية. ويضيف أن كثيرًا من زوار بر الحكمان يعتبرونها واحدة من أجمل الوجهات الطبيعية المخصصة للتخييم والاستجمام في المنطقة، لما تتميز به من شواطئ بكر وهدوء نادر ومناظر طبيعية آسرة، لافتًا إلى أن هؤلاء السياح قطعوا آلاف الكيلومترات للوصول إلى مكان ما زال الكثير من أبناء الوطن لا يدركون حجم ما يملكه من مقومات سياحية وبيئية فريدة.

ويؤكد القائمون على المخيم من أهالي بر الحكمان أن المنطقة لا تحتاج إلى مشروعات ضخمة قد تؤثر على طبيعتها البكر، بقدر حاجتها إلى خدمات أساسية تسهم في راحة الزوار وتنشيط الحركة السياحية. ويطالب الأهالي بتحسين الطرق المؤدية إلى المنطقة، وتوفير عيادة صحية، ومد أنابيب المياه إلى المخيم، إضافة إلى الحاجة إلى بناء مركز صحي لتقديم خدمات العلاج لزوار المخيم. علاوة على تشجيع أبناء المنطقة على إقامة المشاريع ذات الطبيعة البحرية مثل الشاليهات ومشاريع سياحية صغيرة؛ بما يحقق عوائد اقتصادية للمجتمع المحلي مع الحفاظ على البيئة التي تشكل أبرز عناصر الجذب في بر الحكمان.

المنطقة تمتلك كل المقومات اللازمة لصناعة سياحة مستدامة؛ شواطئ بكر، وبيئة بحرية غنية، ومناخ معتدل نسبيًا، ومساحات واسعة تسمح بإقامة مشاريع سياحية نوعية دون الإضرار بالبيئة. كما أن موقعها في محافظة الوسطى يمنحها فرصة لأن تكون جزءًا من منظومة سياحية متكاملة تربط بين الدقم ومحوت والجزر والمواقع الطبيعية المجاورة.

إن تطوير بر الحكمان لا يعني تحويلها إلى غابة من البنايات الإسمنتية؛ بل إلى نموذج متوازن للسياحة البيئية الراقية، من خلال إقامة منتجعات محدودة الكثافة، ومخيمات سياحية فاخرة، ومراصد للطيور، ومراكز للرياضات البحرية، مع إشراك المجتمع المحلي في مختلف الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمشروع. كما أن مثل هذه المشاريع قادرة على خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للشباب العُماني، وتنشيط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وزيادة مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" الرامية إلى تنويع مصادر الدخل الوطني.

وأثناء مغادرتي بر الحكمان، لم أكن أفكر فقط في جمال المكان؛ بل في مستقبله أيضًا. كنت أرى في تلك الرمال البيضاء فرصة اقتصادية واعدة، وفي ذلك البحر الهادئ مشروعًا سياحيًا عالميًا ينتظر من يكتشفه. فبعض المناطق لا تحتاج إلى صناعة الجمال، لأن الجمال موجود فيها بالفعل، وإنما تحتاج فقط إلى رؤية تنموية قادرة على تحويل هذا الجمال إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

وأخيرًا أقول.. إنّ بر الحكمان ليست مجرد اسم لمنطقة عُمانية نالت شهرة واسعة بين محبي الطبيعة والتخييم؛ بل هي كنز وطني وهبة إلهية تجتمع فيها عناصر الجمال البيئي والتنوع الطبيعي في صورة قلّ أن تتكرر. ومن خلال ما شاهدته خلال هذه الزيارة، تزداد قناعتي بأن هذه المنطقة تستحق أن تتحول إلى وجهة عالمية للسياحة البيئية والاسترخاء، وأن تُطرح فرص تطويرها أمام الشركات العالمية المتخصصة في إدارة المنتجعات السياحية، وفق ضوابط ومعايير دقيقة تضمن الحفاظ على طبيعتها البكر وهويتها البيئية الفريدة.

إنّ تطوير بر الحكمان لا ينبغي أن يكون على حساب جمالها، بل يجب أن يكون امتدادًا له، من خلال مشاريع نوعية تراعي خصوصية المكان وتنسجم مع مكوناته الطبيعية، وتمنح المجتمع المحلي دورًا محوريًا في الاستفادة من العوائد الاقتصادية والتنموية.

ومن هنا، أتمنى أن تحظى هذه البقعة الاستثنائية باهتمام أكبر من الجهات المعنية، وفي مقدمتها جهاز الاستثمار العُماني ووزارة التراث والسياحة، للنظر في الفرص الواعدة التي تختزنها هذه المنطقة، والعمل على وضع رؤية متكاملة تجعل منها نموذجًا للسياحة المستدامة في سلطنة عُمان.

لقد وهب الله بر الحكمان طبيعة ساحرة تتعانق فيها الرمال البيضاء مع البحر الهادئ والسماء المفتوحة، وما تحتاجه اليوم ليس سوى رؤية تنموية حكيمة تضعها في المكانة التي تستحقها على خريطة السياحة العالمية.

 

الأكثر قراءة

z