تأكيد أهمية التكامل بين مختلف الجهات ودعم نمو القطاع الخاص

مناقشات موسعة في "منتدى الرؤية" تستعرض آليات تحويل المرونة الاقتصادية إلى فرص واعدة

 

 

القلهاتي: افتتاح أوّلي لـ"مركز عُمان المالي العالمي" في 2026.. والتدشين الرسمي في النصف الأول من 2027

 

الرؤية- ريم الحامدية

ركّزت الجلسة النقاشية الأولى من اليوم الأول لمنتدى الرؤية الاقتصادي في دورته الخامسة عشرة على محور "تحويل المرونة الاقتصادية إلى فرص واعدة" في ظل المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم؛ حيث شهدت الجلسة نقاشات ثرية بمشاركة كوكبة من المسؤولين والخبراء الاقتصاديين ورجال الأعمال، الذين أجمعوا على أن المقومات الاستراتيجية لسلطنة عُمان تحولت من مجرد عناصر قوة سياسية إلى ميزات استثمارية واقتصادية واعدة.

وأكد الحسين القلهاتي، نائب مدير عام الاستراتيجية وتطوير الأعمال بمركز عُمان المالي العالمي، خلال مشاركته، أن مركز عُمان المالي العالمي سيلعب دورًا محوريًا في المرحلة المقبلة، سواء في الظروف الحالية أو مع استقرار المنطقة. وأشار إلى أن الشركات العالمية والإقليمية أصبحت تضع "الاستقرار السياسي" كأولوية قصوى، وتبحث عن التنوع في إدارة مقار أعمالها.

وأوضح القلهاتي أن الفكرة الأساسية للمركز لا تقتصر على جذب الشركات للاستثمار في سلطنة عُمان فحسب، بل تمكينها من الاستثمار انطلاقًا من عُمان لتقديم خدماتها للأسواق الإقليمية والعالمية. كما يوفر المركز منصة حيوية للشركات العُمانية لتأسيس صناديقها الاستثمارية وهيكلة أعمالها بدلًا من اللجوء إلى مراكز خارجية. وكشف القلهاتي عن الخطة التشغيلية للمركز، معلنًا عن افتتاح أولي تجريبي خلال العام الجاري، لاستكمال الأطر التنظيمية وتجربة الخدمات، على أن يتم الافتتاح الرسمي في النصف الأول من العام المقبل؛ لتبدأ عمليات التسجيل والترخيص الفعلي للمؤسسات المالية والمساندة.

من جانبه، شدد الدكتور خالد بن سالم السعيدي، رئيس مركز عُمان للتحكيم التجاري، ورئيس لجنة التظلمات الضريبية بوزارة المالية، على أهمية البيئة التشريعية والقضائية كملاذ آمنٍ وضامن أساسي للاستثمار طويل الأجل. ودعا السعيدي إلى إحلال مفهوم التكامل بدلًا من المنافسة مع المراكز المالية الإقليمية، مشيرًا إلى أن دول الخليج تكبدت سابقًا أكثر من تريليون دولار في عام واحد لإدارة تحكيمات خارج المنطقة، وهو ما يستدعي تعزيز دور مركز عُمان للتحكيم التجاري ليكون جاذبًا للقضايا الدولية. كما انتقد البيروقراطية الإدارية، مؤكدًا ضرورة تغيير عقلية الموظف العام ليتعامل كميسر لخدمة المستثمر.

وفي قراءة لواقع القطاع الخاص، أكد المهندس بدر بن عوض الشنفري، الرئيس التنفيذي للعمليات لدى "أومنفيست"، أن الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص تشهد مرحلة جديدة من الزخم، لا سيما مع التوجيهات السامية بإنشاء "مجلس التنسيق الاقتصادي" برئاسة صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، والذي يضم في عضويته ممثلين عن القطاع الخاص؛ مما يسهم في سد الفجوات السابقة. وأشار الشنفري إلى أن الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي أصبحت تتصدر المشهد؛ حيث تدرس "أومنفيست" حاليًا عدة استثمارات واعدة سيتم الإعلان عنها قريبًا، خاصةً في مجالات مراكز البيانات التي تضمن تدفقات نقدية مستقرة وآمنة، إلى جانب الاستثمار في صناديق رأس المال الجريء.

وفي ختام الجلسة، استعرضت الدكتورة سهام الحارثية، عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان، رؤيتها حول أهمية الاستثمار في القطاعات المستقبلية، مشيدة بالمرسوم السلطاني الخاص بإنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الاقتصادية كخطوة استراتيجية لوضع عُمان في مقدمة هذه الصناعة. ونقلت الحارثية حزمة من المطالب الموجهة من قطاع الأعمال إلى صناع القرار لتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العصب الحقيقي للاقتصاد والتشغيل والتصنيع، منها: تسهيلات مصرفية مرنة، مطالبةً القطاع المصرفي بجرأة أكبر في تقديم التسهيلات وتخفيف قيود الضمانات، واستقلالية بنك التنمية، مقترحةً عدم إخضاع بنك التنمية لقواعد البنك المركزي؛ لمنحه المرونة الكافية لتمويل المشاريع التنموية، وتسريع الإجراءات الحكومية من خلال تكامل الجهات المانحة للتصاريح؛ لتقليص الوقت والمعاملات التي تشكل عبئًا ماليًا على التجار، وخطط طوارئ مستدامة من خلال إيجاد حزم مرنة تدعم الشركات أثناء الأزمات الطارئة؛ لضمان استدامتها واستمرار ممارسات التعمين والتوظيف.

واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن الفرص الاقتصادية والاستثمارية متوفرة وقائمة على أرض الواقع في السلطنة، إلا أن الرهان الأكبر خلال المرحلة المقبلة يكمن في تعزيز المرونة والسرعة والتكامل الممنهج بين مختلف الجهات لتحويل هذه الفرص إلى مكاسب مستدامة تدعم الناتج المحلي الإجمالي.

وعُقدت الجلسة النقاشية الثانية من اليوم الأول للمنتدى تحت عنوان "التحولات الكبرى في عصر الأزمات"، التي أدارها الإعلامي القطري جابر الحرمي، بمشاركة نخبة من الخبراء وصناع القرار: الدكتور إبراهيم حسن مصطفى، وزير الطاقة والثروة المعدنية السابق بالمملكة الأردنية الهاشمية، والمهندس أحمد بن علي عكعاك، الرئيس التنفيذي للمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، والمهندس عبدالله بن أحمد المياسي، مدير عام مدينة صحار الصناعية.

وأجمع المشاركون على أن المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة أثبتت أن سلطنة عُمان تمثل واحة أمان استراتيجية بفضل موقعها المفتوح خارج المضائق، وجاهزيتها اللوجستية والتشريعية المتكاملة التي تدعم مستهدفات رؤية "عُمان 2040".

وافتتح الإعلامي جابر الحرمي الجلسة مؤكدًا أن التاريخ الاقتصادي يعلمنا بأن الموقع المستقر في زمن الاضطراب هو أثمن الأصول، وهو ما يتجسد تمامًا في سلطنة عُمان.

وفي قراءته للمشهد الجيواقتصادي العالمي، أشار الدكتور إبراهيم حسن مصطفى إلى أن العالم يشهد تحولات هيكلية عميقة بدأت منذ أزمة كورونا، وتسارعت مع الأحداث الجيوسياسية الأخيرة، مثل تراجع حضور الدولار وتعدد الأقطاب الاقتصادية. وأوضح أن هذه التحولات أعادت إحياء التكتلات الإقليمية لتعزيز الاعتماد المتبادل كبديل أكثر موثوقية لسلاسل الإمداد الطويلة.

من جانبه، استعرض المهندس أحمد بن علي عكعاك المقومات الاستثنائية للمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، مؤكدًا أنها تمثل أسرع نقطة عبور في منطقة الخليج، وتحظى بمحيط استهلاكي ضخم يتجاوز 3 مليارات نسمة بين القارة الهندية وأفريقيا.

وقال عكعاك: "أثبتت الأزمات المتتالية أن المنافذ الاقتصادية التقليدية تواجه تهديدات وجودية، وهنا تبرز جغرافيا الدقم الواقعة خارج مضيق هرمز كمنصة آمنة ومستقرة. نحن لا نستهدف مجرد العبور اللوجستي، بل نتحول إلى منطقة إنتاج وتوطين للصناعات وبناء قواعد صناعية تكميلية بعيدة عن النزاعات، وأن الدقم وصلت إلى مستوى عالٍ من الجاهزية بحجم استثمارات بلغ 16 مليار دولار، وتتميز بتنوع مصادر الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، إلى جانب مساحتها الواسعة (2000 كم²)، وشريطها الساحلي الممتد، مما يجعلها نافذة عُمان الحقيقية للمستقبل".

وفي إطار الحديث عن حواضن الاستثمار، كشف المهندس عبدالله بن أحمد المياسي، مدير عام مدينة صحار الصناعية، عن تنامي حركة تدفق ورغبة المستثمرين الإقليميين والعالميين في إعادة تموضع استثماراتهم داخل سلطنة عُمان نتيجة للاضطرابات الأخيرة، مشيرًا إلى أن مدينة صحار الصناعية وحدها سجلت نموًا في استقطاب الاستثمارات بنسبة تقارب 20% بين عامي 2024 و2025.

وعن الخطط المستقبلية، أعلن المياسي أن الخطة المرحلية لـ"مدائن" (2030-2026) تتضمن 90 مشروعًا بكلفة تقديرية تصل إلى 245 مليون ريال عُماني، تركز على البنية الأساسية والحوافز. كما كشف عن توجه طموح لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والثورة الصناعية الرابعة لتحويل ما بين مدينة وثلاث مدن صناعية عُمانية إلى مدن صناعية ذكية بالكامل.

وخلصت الجلسة إلى أن المتغيرات العالمية الراهنة تمنح سلطنة عُمان فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها كمركز لوجستي وصناعي عالمي، مدفوعة بقرارات مرنة، وبنية رقمية وصناعية متطورة، وطاقة نظيفة قادرة على تلبية تطلعات مستثمري المستقبل وتحقيق التنوع المستدام لشعبها واقتصادها.

واختتم منتدى الرؤية الاقتصادي أعمال اليوم الأول بانعقاد الجلسة النقاشية الثالثة، وأكد المشاركون في الجلسة أن التناغم بين الابتكار كقيمة مضافة، والاستثمار كوقود دافع، هو الصيغة السحرية لرفع كفاءة الإنتاج وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، للوصول بالسلطنة إلى مصاف الدول العشرين الأولى عالميًا في مؤشر الابتكار العالمي، وتحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد قائم على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمعرفة.

عزان البوسعيدي.JPG
د. سعيد المحرمي.JPG
الرئيسية.JPG
الجلسة 1.JPG
الجلسة 2.JPG
 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z