حرص سامٍ على صناعة جيل رقمي مسؤول

 

 

 

حمود بن علي الطوقي

 

جاءت التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- خلال ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء؛ لتؤكد مجددًا أن بناء الإنسان العُماني يظل في صدارة أولويات النهضة المتجددة، وأن التعامل مع التحولات الرقمية ينبغي أن يتم برؤية متوازنة تستثمر الفرص وتواجه التحديات بحكمة واستباقية.

ومن بين هذه التوجيهات المهمة، برز توجيه جلالته بشأن تقييم وتنظيم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة تعكس إدراكًا عميقًا للتغيرات التي يشهدها العالم الرقمي وتأثيرها المباشر في الأجيال الناشئة. فقد وجّه جلالته -أبقاه الله- الجهات المعنية بتقييم الموضوع من مختلف جوانبه وتشخيصه، وإعداد الضوابط والآليات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لتلك الوسائل، بما يساعد الأسر في إرشاد أبنائها والتحكم في كيفية الاستخدام الأمثل لها، مع الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال.

إن هذا التوجيه السامي يحمل دلالات وطنية وتربوية عميقة، فهو لا يدعو إلى تقييد التقنية أو الحد من الاستفادة منها، وإنما يؤسس لثقافة الاستخدام الواعي والمسؤول، بما يضمن أن تكون المنصات الرقمية أدوات للتعلم والمعرفة والإبداع، لا منافذ للمخاطر الفكرية أو السلوكية أو الاجتماعية.

وفي ظل ما يشهده العالم من توسع هائل في استخدام الأطفال للهواتف الذكية ومنصات التواصل، أصبح من الضروري إيجاد توازن بين الانفتاح على التكنولوجيا وحماية الطفولة. فالطفل اليوم يعيش في بيئة رقمية مفتوحة، ما يستدعي تضافر الجهود لبناء وعي يحصنه، ويمكنه من التفاعل الإيجابي مع هذا العالم المتغير.

كما أن هذه التوجيهات السامية تزيد من حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات التعليمية والإعلامية وأولياء الأمور ومؤسسات المجتمع المدني؛ إذ لم يعد دورها يقتصر على التعليم أو التوجيه التقليدي، بل أصبح لزامًا عليها أن تتعامل مع قضايا الطفولة والناشئة برؤية تنسجم مع الفكر السامي لجلالة السلطان -حفظه الله ورعاه- في إعداد جيل رقمي مسؤول، يجمع بين الاعتزاز بهويته الوطنية والقدرة على الاستفادة من أدوات العصر.

ومن هنا، فإن المدارس مطالبة بتعزيز مفاهيم المواطنة الرقمية في مناهجها وأنشطتها، كما أن الأسرة مطالبة بالحوار المستمر مع الأبناء ومتابعة استخدامهم للتقنيات الحديثة، فيما يقع على مؤسسات المجتمع المدني مسؤولية إطلاق المبادرات والبرامج التوعوية التي تسهم في نشر الثقافة الرقمية الآمنة وتعزيز السلوك الإيجابي في الفضاء الإلكتروني.

وفي هذا السياق، ندرك في مجلة "مرشد" أهمية هذا النهج، ونؤكد أن مجلة مرشد، بوصفها أول مجلة أطفال عُمانية ومتخصصة في مخاطبة النشء، ستواصل أداء رسالتها الوطنية من خلال تقديم محتوى تربوي وثقافي يرسخ قيم الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا، ويشجع الأطفال على توظيف الوسائل الرقمية في التعلم والابتكار والإبداع، مع الحفاظ على القيم العُمانية الأصيلة والهوية الوطنية. كما تحرص المجلة عبر برامجها وورشها ومبادراتها المختلفة على بناء شخصية الطفل الواعية، وتعزيز التفكير النقدي، وتنمية الحس بالمسؤولية في التعامل مع المحتوى الرقمي.

إن صدور هذا التوجيه ضمن سلسلة من التوجيهات التي تناولت الشأن المحلي خلال اجتماع مجلس الوزراء يؤكد أن القيادة الحكيمة تنظر إلى المستقبل بعين المسؤولية، وتتعامل مع التحولات الرقمية باعتبارها فرصة ينبغي استثمارها، وتحديًا ينبغي الاستعداد له بسياسات واضحة ورؤية بعيدة المدى.

وفي المحصلة، فإن التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- بشأن تنظيم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي تمثل خرطة طريق وطنية للتعامل مع تحديات العصر الرقمي، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان. ومن هذا المنطلق، فإن تكاتف الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، إلى جانب المبادرات التوعوية التي تقودها مؤسسات متخصصة مثل مجلة مرشد، سيشكل أساسًا متينًا لبناء جيل واعٍ، متمسك بقيمه، متمكن من أدوات العصر، وقادر على توظيفها في خدمة وطنه وصناعة مستقبله.

الأكثر قراءة

z