اقتصاد الحرب: حين تصبح الكلفة هي المعركة (8- 9)

 

 

عبيدلي العبيدلي **

ما بعد الحرب: استمرار الأثر بعد توقف القتال

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن آثار الحرب تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار. الواقع أن الحرب، من الناحية النفسية والاجتماعية، تبدأ مرحلة جديدة بعد توقف القتال؛ فحين تصمت الطائرات، يبدأ الناس في سماع الضجيج الداخلي الذي تركته الحرب فيهم: ذكريات الخوف، صور القتلى، خسارة الأحبة، توتر الأطفال، صمت الآباء، انهيار الثقة، والأسئلة الأخلاقية عن جدوى الحرب وكلفتها.

قد تعود المدارس، لكن الأطفال لا يعودون كما كانوا. قد تفتح الأسواق، لكن الثقة لا تعود بالسرعة نفسها. قد تعلن الحكومات انتهاء العمليات، لكن الأسر تظل تعيش آثارها في النوم والسلوك والعلاقات. وقد يعود الجنود إلى بيوتهم، لكن بعضهم لا يستطيع العودة نفسيًا إلى الحياة العادية. لذلك فإن ما بعد الحرب ليس سلامًا كاملًا، بل مرحلة انتقالية بين الخوف والقدرة على استعادة الحياة.

وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الدعم النفسي والاجتماعي في النزاعات وما بعدها ضروري لأن الحرب والعنف يدمران المجتمعات والدول ويؤثران في الصحة النفسية لملايين الأشخاص. هذا لا يعني أن كل من عاش الحرب سيصاب باضطراب نفسي، لكنه يعني أن الحرب توسع نطاق الهشاشة النفسية والاجتماعية، وتجعل التعافي مسارًا طويلًا ومعقدًا.

في هذا المعنى، لا تنتهي الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران عند حدود وقف إطلاق النار أو إعلان تحقق الأهداف العسكرية. ستظل آثارها حاضرة في أسئلة الإيرانيين عن الدولة والمستقبل، وفي أسئلة الإسرائيليين عن الأمن والاستنزاف، وفي أسئلة الأمريكيين عن معنى التدخل، وفي أسئلة المنطقة كلها عن الاستقرار وإمكان تجنب دورات جديدة من العنف.

 مَن يربح ومَن يخسر؟

الحرب لا تنتج رابحين صافين. لكنها تنتج مستفيدين مؤقتين وخاسرين طويلي الأمد، وقد تستفيد بعض شركات الطاقة غير المتضررة من ارتفاع الأسعار. وقد تستفيد شركات السلاح والأمن السيبراني والتأمين عالي المخاطر. وقد تستفيد بعض الدول المنتجة للطاقة خارج الخليج إذا استطاعت زيادة صادراتها. لكن هذه المكاسب محدودة مقارنة بالخسائر العامة: ارتفاع التضخم، تراجع النمو، ضغط الديون، وتعطل التجارة.

أما الخاسرون الأكبر فهم: المواطنون، الأسر محدودة الدخل، الشركات الصغيرة، الدول المستوردة للطاقة، شركات الطيران، السياحة، الصناعة، والموازنات العامة. فالفقراء يدفعون كلفة الحرب مرتين: مرة عبر الخوف، ومرة عبر الأسعار.

إيران ستكون الطرف الأكثر تعرضًا للكلفة المركبة: عسكرية، اقتصادية، اجتماعية، ونفسية. فحتى لو ضعف جزء من قدراتها العسكرية، فإن الضربة الكبرى تقع على المجتمع والاقتصاد. رويترز نقلت عن قائد القيادة المركزية الأمريكية أن الضربات الأمريكية أضعفت بشدة قدرات إيران العسكرية والصناعية الدفاعية، لكنها أبقت لديها قدرات صاروخية ومسيرات وزوارق صغيرة يمكن أن تهدد الجوار وحركة الملاحة.

اقتصاديًا، ستواجه إيران ضغطًا مضاعفًا: نقص في الإيرادات، صعوبة في التجارة، مزيدًا من التضخم، وتراجعًا في الثقة بالعملة. اجتماعيًا، قد تؤدي الحرب إلى زيادة الفقر والبطالة، وارتفاع أسعار الغذاء والدواء، واتساع الفجوة بين المجتمع والدولة. وهذه الكلفة تتحول لاحقًا إلى نزيف بشري عبر هجرة الكفاءات، وإلى نزيف مؤسسي عبر ضعف التعليم والصحة والإنتاج.

قد تحقق إسرائيل مكاسب عسكرية أو أمنية مؤقتة إذا تم تقليص قدرات إيران الصاروخية أو النووية أو الإقليمية، لكن الكلفة الاقتصادية تبقى عالية. الحرب ترفع الإنفاق الدفاعي، وتضغط على المالية العامة، وتضعف قطاعات السياحة والطيران والتكنولوجيا إذا طال أمد عدم اليقين.

صندوق النقد الدولي يوضح أن زيادات الإنفاق الدفاعي قد ترفع النشاط الاقتصادي مؤقتًا، لكنها تزيد التضخم والعجز والدين العام، وقد تزاحم الإنفاق الاجتماعي. وفي حالات الحرب، قد يقفز الدين العام وتنخفض النفقات الاجتماعية. لذلك فإن “الانتصار الأمني” قد يتحول إلى عبء مالي طويل إذا طال القتال أو توسعت الجبهة.

الكلفة الأمريكية ليست فقط تكلفة الطائرات والصواريخ والسفن. الكلفة الأهم تظهر في الداخل: أسعار البنزين، التضخم، سوق السندات، الدين العام، والضغط السياسي. إذا ارتفعت أسعار النفط لفترة طويلة، سيواجه المستهلك الأمريكي ضريبة غير معلنة على دخله اليومي. ولهذا يصبح المواطن الأمريكي، حتى لو لم يرَ الحرب مباشرة، جزءًا من فاتورتها عبر محطة الوقود وسعر الغذاء وتكلفة الاقتراض.

رويترز أشارت إلى أن الشكوك الشعبية الأمريكية تتركز حول مبررات الحرب وارتفاع أسعار الوقود. كما قال كبير اقتصاديي صندوق النقد إن العالم قد يقترب من سيناريو أكثر سلبية للنمو كلما استمرت اضطرابات الطاقة.

دول الخليج هي الحلقة الأكثر حساسية، لأنها قريبة جغرافيًا من مسرح الحرب وتعتمد اقتصاديًا على تدفق الطاقة والتجارة والموانئ والطيران والاستثمار. المشكلة ليست فقط في ارتفاع أسعار النفط، لأن بعض دول الخليج قد تستفيد نظريًا من السعر المرتفع؛ بل في أن عدم القدرة على التصدير أو ارتفاع مخاطر الشحن قد يحول ارتفاع السعر إلى مكسب محدود أو حتى خسارة.

تحليل "تشاتام هاوس" يَذكُر أن الحرب أحدثت كلفة ثقيلة على مصدّري النفط والغاز في الخليج من خلال فقدان الإيرادات، وأن خطوط الأنابيب البديلة في السعودية والإمارات لا تغطي إلا جزءًا محدودًا مما كان يمر عبر مضيق هرمز. كما أشار البنك الدولي إلى أن دول مجلس التعاون والعراق هي الأكثر تأثرًا في المنطقة، وأن نمو مجلس التعاون خُفّض إلى 1.3% في 2026.

********************

** تنويه: الكاتب استعان بمجموعة من برمجيات الذكاء الاصطناعي وخوارزمياتها، إضافة إلى محركات البحث، من بين الأهم فيها:

https://chatgpt.com

https://www.perplexity.ai/

https://gemini.google.com

https://www.copilot.com/

https://www.genspark.ai

** خبير إعلامي

الأكثر قراءة

z